صفحة رقم 207
إلى أن لهم عليهن درجة ، فهم أقوى وأظهر وأطيب وأظهر في رأي العين لما لهم من الانتشار وللنساء من الاختفاء والاستتار .
ولما كان قد أمر سبحانه وتعالى أول الآية بتقواه مشيرًا إلى أنه جدير بذلك منهم لكونه ربهم ، عطف على ذلك الأمر أمرًا آخر مشيرًا إلى أنه يستحق ذلك لذاته لكونه الحاوي لجميع الكمال المنزه عن كل شائبة نقص فقال: ( واتقوا الله ) أي عمومًا لما له من إحاطة الأوصاف كما اتقيتموه خصوصًا لما له إليكم من الإحسان والتربية ، واحذروه وراقبوه في أن تقطعوا أرحامكم التي جعلها سببًا لتربيتكم .
ولما كان المقصود من هذه السورة المواصلة وصف نفسه المقدسة بما يشير إلى ذلك فقال: ( الذين تساءلون ) أي يسأل بعضكم بعضًا ) به ( فإنه لا يسأل باسمه الشريف المقدس إلا الرحمة والبر والعطف ، ثم زاد المقصود إيضاحًا فقال:( والأرحام ) أي واتقوا قطيعة الأرحام التي تساءلون بها ، فإنكم تقولون: ناشدتك بالله والرحم وعلل هذا الأمر بتخويفهم عواقب بطشه ، لأ ، ه مطلع على سرهم وعلنهم مع ما له من القدرة الشاملة .
فقال مؤكدًا لأن أفعال الناس في ترك التقوى وقطيعة الأرحام أفعال من يشك ي أنه بعين الله سبحانه: ( إن الله ) أي المحيط علمًا وقدرة ) كان عليكم ( وفي أداة الاستعلاء ضرب من التهديد ) رقيبًا ( وخفض حمزة( الأرحام ) المقسم بها تعظيمًا لها وتأكيدًا للتنبيه على أنهم قد نسوا الله في الوفاء بحقوقها - كما أقسم بالنجم والتين وغيرهما ، والقراءاتان مؤذنتان بأن صلة الأرحام من الله بمكان عظيم ، حيث قرناه باسمه سواء كان عطفًا كما شرحته آية ) وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ) [ الإسراء: 23 ] ، وغيرها - أو كان قسمًا ، واتفق المسلمون على أن صلى الرحم واجبة ، وأحقهم بالصلة الولد ، وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال .
ولما بان من هذا تعظيمه لصلة الرحم بجعلها في سياق ذكره سبحانه وتعالى المعبر عنه باسمه الأعظم - كما فعل نحو ذلك في غير آية ، وكان قد تقدم في السورة الماضية ذكر قصة أحد التي انكشفت عن أيتام ، ثم ذكر في قوله تعالى:
77 ( ) كل نفس ذائقة الموت ( ) 7
[ آل عمران: 185 ] ، أن الموت مشرع لا بد لكل نفس من وروده ؛ علم أنه له بد من وجود الأيتام في كل وقت ، فدعا إلى العفة والعدل فيهم لأنهم بعد الأرحام أولى من يتقى الله فيه ويخشى مراقبته بسببه فقال: ( وآتوا اليتامى ) أي الضعفاء الذين انفردوا عن آبائهم ، وأصل اليتيم الانفراد ) أموالهم ) أي هيئوها بحسن التصرف فيها لأن تؤتوهم إيلاها بعد البلوغ - كما يأتي ، أو يكون الإيتاء حقيقة والتيم باعتبار ما كان .
أو باعتبار الاسم اللغوي وهو مطلق الانفراد ، وما أبدع إيلاءها للآية الآمرة بعد عموم تقوى الله