صفحة رقم 221
فقال: ( من بعد وصية يوصي بها ) أي كما مندوب لكل ميت ، وقدمها في الوضع على ما هو مقدم عليها في الشرع بعثًا على أدائها ، لأن أنفس الورثة تشح بها ، لكونها مثل مشاركتهم في الإرث لأنها بلا عوض ) أو دين ) أي إن كان عليه دين ولما كان الإنسان قد يرى أن بعض أقربائه من أصوله أو فصوله أو غيرهم أنفع له ، فأحب تفضيله فتعدى هذه الحدود لما رآه ، وكان ما رآه خلاف الحق في الحال أو في المآل ، وكان الله تعالى هو المستأثر بعلم ذلك ، ولهذا قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يوماَ ما ) الحديث: لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبها كيف شاء ؛ قال تعالى حاثًا على لزوم ما حده مؤكدًا بالجملة الاعتراضية - كما هو الشأن في اعتراض - لأن هذه القسمة مخالفة لما كانت العرب تفعله ، وهي على وجوه لاتدرك عللها: ( أبآؤكم وأبنآؤكم ) أي الذين فضلنا لكم إرثهم على ما ذكرنا ) لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا ) أي من غيره ، لأنه لا إحاطة لكم في علم ولا قدرة ، فلو وكل الأمر في القسمة إليكم لما وضعتم الأمور في أحكم مواضعها .
ولما بين أن الإرث على ما حده سبحانه وتعالى مؤكدًا له بلفظ الوصية ، وزاده تأكيدًا بما جعله اعتراضًا بين الإيصاء وبين ( فريضة ) بين أنه على سبيل الحتم الذي من تركه عصى ، فقال ذاكرًا مصدرًا مأخوذاَ من معنى الكلام: ( فريضة من الله ) أي الذي له الأمر كله ، ثم زادهم حثًا على ذلك ورغبة فيه بقوله تعليلًا لفريضته عليهم مطلقًا وعلى هذا الوجه: ( إن الله ) أي المحيط علمًا وقدرة ) كان ( ولم يزل ولا يزال لأن وجود لا يتفاوت في وقت من الأوقات ، لأنه لا يجري عليه زمان ، ولا يحويه مكان ، لأنه خالقهما ) عليمًا ) أي بالعواقب ) حكيمًا ) أي فوضع لكم هذه الأحكام على غاية الإحكام في جلب المنافع لكم ودفع الضر عنكم ، ورتبها سبحانه وتعالى أحسن ترتيب ، فإن الوارث يتصل بالميت تارة بواسطة وهو الكلالة ، وأخرى بلا واسطة ، وهذا تارة يكون بنسب ، وتارة بصهر ونسب ، فقدم ما هو بلا واسطة لشدة قربه ، وبدأ منه بالنسب لقوته ، وبدأ منهم بالولد لمزيد الاعتناء به .