فهرس الكتاب
صفحة رقم 336
ولما كان المتمادي بعد نزول هذا الهدي موجدًا للكفر مجددًا له ، نبه على إغراقه في البعد بغضبه سبحانه وتعالى لمتاديه معلمًا أن الثبات على الكفر عظيم جدًا ، وصوّره بأقبح صورة ، وفي ذلك ألطف استعطاف إلى النزوع عن الخلاف فقال: ( إن الذين ءامنوا ) أي بما كانوا مهيئين له من الإيمان بالفطرة الأولى ) ثم كفروا ) أي أوقعوا الكفر فعوَّجوا ما أقامه الله من فطرهم ) ثم ءامنوا ) أي حقيقة أو بالقوة بعد مجيء الرسول بما هيأهم له بإظهار الأدلة وإقامة الحجج ) ثم كفروا ) أي أوقعوا الكفر فعوَّجوا ما أقامه الله من فطرهم ) ثم ءامنوا ) أي حقيقة أو بالقوة بعد مجيء الرسول بما هيأهم له بإظهار الأدلة وإقامة الحجج ) ثم كفروا ) أي بذلك الرسول أو برسول آخر بتجديد الكفر أو التمادي فيه ) ثم ازدادوا ) أي بإصرارهم على الكفر إلى الموت ) كفرًا لم يكن الله ) أي الذي له صفات الكمال ) ليغفر لهم ) أي ما داموا على هذا الحال لأنه لا يغفر أن يشرك به ) ولا ليهديهم سبيلًا ) أي من السبل الموصلة إلى المقصود .
ولما كانت جميع صور الآية منبطقة على النفاق ، بعضها حقيقة وبعضها مجازًا ، قال جوابًا لمن كأنه سأل عن جزائهم متهكمًا بهم: ( بشر المنافقين( فأظهر موضع الإضمار تعميمًا وتعليقًا للحكم بالوصف ) بأن لهم عذابًا أليمًا ( ثم وصفهم بما يدل على أنهم المساترون بالكفر بقوله تعالى:( الذين يتخذون الكافرين ) أي المجاهرين بالكفر ) أولياء ) أي يتعززون بهم تنفيرًا من مقاربة صفتهم ليتميز المخلص من المنافق ، وبيانًا لأن مرادهم بولايتهم إنما هو التعزز بهم فإن محط أمرهم على العرض الدنيوي ، ونبه على دناءة أمرهم على أن الغريق في الإيمان أعلى الناس بقوله: ( من دون المؤمنين ) أي الغريقين في الإيمان ، ثم أنكر عليهم هذا المراد بقوله: ( أيبتغون ) أي المنافقون يتطلبون ، تطلبًا عظيمًا ) عندهم ) أي الكافرين ) العزة ( فكأنه قال: طلبهم العزة بهم سفه من الرأي وبُعد من الصواب ، لأنه لا شيء من العزة عندهم .
ولما أنكر عليهم هذا الابتغاء علله بقوله: ( فإن العزة لله ) أي الذي لا كفوء له ) جميعًا ) أي وهم أعداء الله فإنما يترقب لهم ضرب الذلة والمسكنة ، وما أحسن التفات هذه الآية إلى أول الآيات المحذرة من أهل الكتاب
77 ( ) ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب ( ) 7
[ النساء: 44 ] المختتمة بقوله:
77 ( ) وكفى بالله وليًا وكفى بالله نصيرًا ( ) 7
[ النساء: 45 ] ) وقد ) أي يتخذونهم والحال أنه قد ) نزل عليكم ) أي أيتها الأمة ، الصادقين منكم والمنافقين ) في الكتاب ) أي في سورة الأنعام النازلة بمكة المشرفة النهي عن مجالستهم فضلًا عن ولايتهم ، أفلا تخافون عزة من نهاكم عن ذلك أن يضربكم بذل لا تخلصون منه أبدًا ، لأنهم لا تنفكون عن الكفر بآيات الله فإنه لا تباح ولايتهم يف حال من الأحوال إلا عند الإعراض عن الكفر ، وذلك هو المراد من قوله: ( أنْ ) أي إنه ) إذا سمعتم آيات الله ) أي ذي الجلال والإكرام .