صفحة رقم 364
ومن أحسن ما في ذلك قوله بعد اجتماعهم به بعد رفعه: أعطيت كل سلطان ، فأثبت أن المعطي غيره ، وهذا كله يصادق القرآن في أنهم في شك منه ، ويدل على أن المصلوب - إن صح أنهم صلبوه من ظنوه إياه - هو الذي دل عليه ، كما قال بعض العلماء: إنه ألقى شبهه عليه ، ويؤيد ذلك قولهم: إنه خنق نفسه ، فالظاهر أنهم لما لم يروه بعد ذلك ظنوا أنه خنق نفسه ، فجزموه به - والله أعلم ، وقوله: إنك يا رباه فيّ وأنا فيك ، ليكونوا - أي التلاميذ - فينا ، ونحوه مما يوهم حلولهًا المراد به الاتحاد في المراد بحيث أن واحدًا منهم لا يريد إلا ما يريد الآخر ، ولا يرضى إلا ما يرضاه ، فهو من وادي ما في الحديث القدسي ( كنت سمعه الذي يسمع به ) - إلى آخره ، وكذا إطلاق الابن والأب معناه أنه يعاملهم في لطفه معاملة الأب ابنة ، فالمراد الغاية ، كما يؤل ذلك في إطلاق الغضب والمحبة ونحو ذلك في حق الله تعالى في شرعنا ، وقد مضى كثير من رد المتشابه في مثل ذلك إلى المحكم في آل عمران ، ومضى في ذلك الموضع وغيره أن كل ما أوهم نقصًا لا يجوز في شرعنا إطلاقه على الله تعالى - والله الموفق .
النساء: ( 159 - 161 ) وإن من أهل. .. . .
)وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( )
ولما أنجز الكلام إلى أمر عيسى عليه الصلاة والسلام على هذا المنهاج البديع بما ذكر في نصائح اليهود وقبائح أفعالهم ، وأنهم قصدوا قتله عليه الصلاة والسلام ، فخاب قصدهم ، واصلد زندُهم ، وقال رأيهم ، ورد عليهم بغيهم ، وحصل له بذلك على المناصب وأولى المراتب ؛ قال محققًا لام أثبته في الآية قبلها من القطع بكذبهم ، مثبتًا أنهم في مبالغتهم في عدواته سكونون من أتباعه المصدقين بجميع أمره الذي منه