فهرس الكتاب
متن ، ص: 11
وإن اللّه ذاق حلوم قيس فلما ذاق خفتها قلاها
رآها لا تطيع لها أميرا فخلّاها تردد في خلاها
فزعم أن اللّه عز وجل يذوق .... وللعرب إقدام على الكلام ، ثقة بفهم أصحابهم عنهم ، وهذه أيضا فضيلة أخرى.
وكما جوزوا لقولهم أكل وإنما عضّ ، وأكل وإنما أفنى ، وأكل وإنما أحاله ، وأكل وإنما أبطل عينه - جوزوا أيضا أن يقولوا: ذقت ما ليس بطعم ، ثم قالوا: طعمت لغير الطعام. وقال العرجى:
وإن شئت حرّمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
وقال اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي يريد: لم يذق طعمه ] «1» .
فالمجاز عند الجاحظ هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له ، على سبيل التوسع من أهل اللغة ، ثقة من القائل بفهم السامع.
وقد حلت هذه النظرة الجاحظية البيانية كثيرا من المشكلات التي قامت بسبب التعبيرات القديمة. فقد أنكر المنكرون وعلى رأسهم الحسن قول القائل: طلع سهيل ، أو برد الليل ، وقالوا في إنكارهم: إن سهيلا لم يأت بحر ولا ببرد. وكره مالك بن أنس أن يقول الرجل عن الغيم والسحاب: ما أخلقها للمطر! ولكن الجاحظ يرى أن إخراج الكلام على وجه المجاز يحلّ المشكلة ويقيم الكلام على وجه سليم ، فهو يقول عن التعبير الأول:
ولهذا الكلام مجاز ومذهب. وهو يقول عن التعبير الثاني: وهذا كلام مجازه قائم ، ويقول عن مثال آخر مما ينكره المنكرون: وهذا الكلام مجازه عند الناس سهل.
والحق أن الجاحظ قاس هذه العبارات على نظائرها في كلام العرب فوجد لها دعامة من
(1) المصدر نفسه ص 31 ، 32.