فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 450

متن ، ص: 12

الصحة وسندا من القياس السماعي الصحيح ، فإن العرب من قديم تقول: جاءت السماء اليوم بأمر عظيم. والشاعر العربي يقول:

إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا

ولكن المنكرين أنكروا لمعنى دينى قائم في نفوسهم ، وهو إسناد الأفعال جميعها إلى اللّه تعالى ، تنزيها له عن أن يشركه غيره في فعل ، أو يشاركه في خلق ، فاحتج لهم الجاحظ بشواهد من اللغة تجيز ما ذهبوا إليه من الاستعمال. أما لفظة «استعارة» التي يكررها الشريف الرضى في كل آية فيها مجاز ، فقد كان الجاحظ - فيما نعلم - أول من استعملها بمعنى تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه. فكان بذلك - أيضا - ممهدا للبيانيين ، ورائدا في البلاغة العربية. فإن هذه اللفتات البيانية الوجيزة كانت الأساس الذي بنى عليه صرح البيان العربي ، وأخذه الأعاجم فجعلوا منه موضوعا عتيدا لصناعة البيان والبلاغة.

وتصادفنا في بعض كتب الجاحظ أمثال هذه الإشارات البيانية الاستعارية ، كقوله:

[و قال عز وجل: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ والعذاب لا يكون نزلا. ولكن لما قام العذاب لهم في موضع النعيم لغيرهم سمى باسمه ... وقال اللّه عز وجل: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا وليس في الجنة بكرة ولا عشى ، ولكن على مقدار البكر والعشيات. وعلى هذا قول اللّه عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ والخزنة الحفظة ، وجهنم لا يضيع منها شىء فيحفظ ، ولا يختار دخولها إنسان فيمنع منها ، ولكن لما قامت الملائكة مقام الحافظ الخازن سميت به ] «1» .

وكقوله وهو يشرح أرجوزة يقول فيها صاحبها:

وطفقت سحابة تغشاها تبكى على عراصها عيناها

(1) البيان والتبين ج 1 ص 153. طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت