فهرس الكتاب
متن ، ص: 48
الواضحة مجالا لسائل ، أو محلا لمستوضح عن التعبير هنا بالخيط ؟ اللهم إنك واهب البيان ، ومعطى البلاغة بقدر لكلّ لسان!.
ومثال آخر حتى تجرى الموازنة إلى مداها ... وهو قول أبى عبيدة في تفسير قوله تعالى:
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ من سورة آل عمران: [تنقص من الليل فتزيد في النهار ، وكذلك النهار من الليل ] «1» . فاسمع هنا قول الشريف الرضى في مجاز هذه الآية الكريمة:
[و هذه استعارة ، وهى عبارة عجيبة جدا عن إدخال هذا على هذا ، وهذا على هذا.
والمعنى: أن ما ينقصه من النهار يزيده في الليل ، وما ينقصه من الليل يزيده في النهار.
ولفظ الإيلاج هاهنا أبلغ. لأنه يفيد إدخال كل واحد منهما في الآخر ، بلطيف الممازجة ، وشديد الملابسة]فنقص هذا من ذاك هو المعنى المشترك المردّد بين أبى عبيدة والشريف الرضى. أما النكتة البلاغية الدقيقة في التعبير بلفظ الإيلاج بدلا من لفظ الإدخال ، فهو مراد بعيد جاء متأخرا عن عصر أبى عبيدة ، ولكنه لم يجد أحسن من الشريف الرضى في التعبير عن لطف مسلكه ، ودقة سبيله.
وخذ أي آية شئت - أيها القارئ الكريم - من كتاب اللّه العزيز ، وتتبعها عند أبى عبيدة في مجازه ، وعند ابن قتيبة في مشكله ، وعند الشريف الرضى في تلخيص بيانه ، فإنك مؤمن معنا في النهاية بأن سليل البيت النبوي الكريم كان أغزر الثلاثة بيانا ، وأفصحهم لسانا ، وأبلغهم في التعبير عن مرامى القرآن بعبارة أدبية مشرقة ناصعة ، يتضح فيها ذوق الأديب ، ورقة الشاعر ، وحسّ البليغ ، أكثر مما يتضح فيها فقه اللغوي ، وعلم النحوي ...
(1) مجاز القرآن ، لأبى عبيدة ص 90.