فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 450

متن ، ص: 104

والنّبع في الصخرة الصماء منبته والنخل ينبت بين الماء والعجل

والشريف هنا يبدو ناقدا أديبا لغويا دقيقا ، فهو لا يحتج بشعر من لا يحتج بشعرهم من المولدين ، وقد لاحظنا أنه في «المجازات النبوية» و «تلخيص البيان» لم يستشهد إلا بشعر عربى فصيح صحيح ، فلم يستشهد مرة واحدة ببيت مولد.

ونراه في مجازات سورة الزمر يسوقه القول إلى بيت الأعشى:

فتى لو ينادى الشمس ألقت قناعها أو القمر الساري لألقى المقالدا

فيقول: (و قال بعض العلماء: ليس قول الشاعر هاهنا «ينادى الشمس» من النداء الذي هو رفع الصوت ، وإنما هو من المجالسة. تقول: ناديت فلانا ، إذا جالسته في النادي ، فكأنه قال: لو يجالس الشمس لألقت قناعها شغفا به ، وتبرجا له. وهذا من غريب القول) .

وفى مجازات سورة الحشر نراه يقول في مجاز قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ:(... المعنى أنهم استقروا في الإيمان ، كاستقرارهم في الأوطان.

وهذا من صميم البلاغة ، ولباب الفصاحة. وقد زاد اللفظ المستعار هاهنا معنى الكلام رونقا. ألا ترى كم بين قولنا: استقرّوا في الإيمان ، وبين قولنا: تبوّءوا الإيمان.

وأنا أقول أبدا: إن الألفاظ خدم للمعانى ، لأنها تعمل في تحسين معارضها ، وتنميق مطالبها). فقوله رضى اللّه عنه: «و أنا أقول أبدا» يحمل معنى قيامه بقضية البلاغة ، وخدمة الألفاظ للمعانى ، مع مضيه في هذه الدعوة البيانية ، والزعامة البلاغية إلى حد المناداة على نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت