فهرس الكتاب
مقدمة ، ص: 50
مع بعض ، لأغراض تتفق له كما نجد الشريف يعترف بها حينما يقول لبعض مناوئيه:
لئن شاءكم مني حزون خلائقي فقد طالما لم انتفع بالدمائث
تشدده في عقاب الجاني
: لعلما كان من هذا الشذوذ الاخلاقي ما ينسب الى الشريف أيام نقابته من الافراط في عقاب الجاني من آل ابى طالب ، او أن هذا جار على العادة بلا شذوذ عن الخصائص الخلقية الحسنة لأن الطالبيين يومئذ يراهم الملوك ويراهم الكافة طبقة ممتازة بالشرف وبالآباء وبالانتماء الى الرسول الأعظم ، ولذلك سنّت فيهم «النقابة» التي تفرقهم ان يشتركوا مع الجماهير في الانظمة والقوانين الدولية العامة ولهذا الامتياز ولذلك التفوق كان الشريف يستكبر الصغير من اجرامهم ، ويعاقبهم عليه بنسبة ما هم عليه من العظمة استمساكا بالأنفة والعزة ، ورفعا لهم عن مساواة سفلة الأخلاق من غيرهم ، وكفا لهم لأبعد غاية عن اقتراف أيما جريمة ، وبهذا الميزان يوزن ما نجده من حضه أباه على القسوة والشدة على الباغي من أقربائه عقابا على بغيه كقوله:
لا تنظر الباغي لقربى وارمه بالذل واقطع ما عليه يعوّل
هذا الأمين أدال منه شقيقه ومضى عقيرا بابنه المتوكل
والعفو مكرمة فان أغرى بها متغافل قال الرجال: مغفّل
وهذا يدلنا على أن من رأيه أن اعمال القسوة في محالها لا يكون من حزونة الأخلاق. وقد لا يكون منافيا للحلم إذا
ثالها من شعر الشريف دلت على رقة فائقة وانعطاف على الأهل والأقارب لا يشبه ما يبدر منه فارطا في بعض الوقائع الخاصة المجهولة. ومن يستقرئ المعاتبات الواقعة بينه وبين أخيه الشريف المرتضى في ديوانيهما وانعطافهما على البعداء فضلا عن الأقربين ، يعتقد ان الخلق فيهما هو ذلك ، وأن ما يشذ عنه لا يحكم عليه بشيء. وإن أصدق ما أعرفه عنه عند ما أتعمق للغاية في شعره لا عرف نفسيته في ذلك ، هو الرقة التي يمثلها قوله - في عتابية أخيه -:
أفوّق نبل القول بيني وبينه فيؤلمني من قبل نزعي بها عرضي
وأرجع لم اولغ لساني في دمي ولم أدم أمضائى بنهش ولا عض
طموحه للخلافة ودعاته لها
: في العلويين ثم في الهاشميين شموخ وإباء يمتازون بهما عن سائر بطون قريش العريقة في الكبرياء والانفة ، ثم هم يتفوقون بذلك النسب الكريم الباسق الذي له الأثر البليغ في الترفع والشمم ، وزاد في الأثر مبالغة في العلويين خاصة أنهم كانوا - سيما في القرون