فهرس الكتاب
مقدمة ، ص: 49
والأنفة ، لا تجد فيه زهوا ولا خيلاء ولا جبريّة ، كما نجد ذلك كثيرا في مستعار العظمة او مستجد النعمة ، ولذا لا نراه يطمع في اطراء الشعراء له مع استحقاقه وتأهله لذلك ، كما نجد الصاحب بن عباد يتحامل على المتنبي بشدة لأنه لم يمدحه ، بل انا نلمس منه لين الجانب ودماثة الخلق حينما نراه ينزل في معاتبة اصدقائه الى رتبة المماثل او دونها ، وتدلنا شوقيته لصديقه ابى الحسين أحمد بن علي البتّي الكاتب انه على غاية بعيدة من لين الجانب والبعد عن الغطرسة ، وذلك حيث يقول له:
اشاق إذا ذكرتك من بعيد وأطرب إن رأيتك من قريب
كانك قدمة الأمل المرجى عليّ وطلعة الفرج القريب
إذا بشرت عنك بقرب دار نزا قلبي إليك من الوجيب
أكاد اريب فيك إذا التقينا من الأنفاس والنظر المريب
فهذا ونحوه لا تسمح به الكبرياء - لو كانت - خطابا من الشريف لمثل البتي إلّا أن يكون قرينا له في المزايا او خليصا له في النسب وفي هذا ونحوه تدليل على ان تلك الحماسات ، وتلك الاندفاعات التي امتلأ بها ديوان شعره لم تكن لتنشأ عن شراسة في الخلق وخشونة ، ولكل مقال مقامه الذي يليق به ولا يوضع في مقام غيره ، ومما يبرهن على ذلك ايضا مدائحه الجمة واستعطافاته ، فانها لا تتفق مع الشراسة ، ولذا لا نجد شاعرا مداحا في الأغلب إلا سهل الأخلاق ليّن الجانب لأن الانعطاف نحو الممدوح واستماحة فواضله والسماحة بإظهار فضائله يلين عريكته ويسهل جماحه ، وقد يتفق لسهل الأخلاق ان يستعمل الحزونة