الصفحة 7 من 2887

""""""صفحة رقم 12""""""

( مبحث في قولهم : حقيقة بلا شريعة باطلة وشريعة بلا حقيقة عاطلة ) :

وقوله: ( العارفين ) جمع عارف وهم علماء الحقيقة ، وبالضرورة يلزمها علم الشريعة لما صرحوا به من قولهم:

حقيقة بلا شريعة باطلة وشريعة بلا حقيقة عاطلة ، مثال الأول إذا قلت لشخص: صلّ الظهر ، فقال: إن كان الله كتبني سعيدًا أدخلت الجنة وإن لم أصلّ ، أو إن كان الله قدّر لي أن أصلي صليت فقد نظر لباطن الأمر ، ومثال الثاني إذا قال الشخص: لا أصلي إلا لأجل أن أدخل الجنة ولا أدخل الجنة إلا بالصلاة مثلًا ، فهذه شريعة عاطلة عندهم ، ومعنى كونها عاطلة أن وجودها كعدمها عندهم ، لأن دخول الجنة بفضل الله تعالى لا بالعمل وإن كانت مجزئة في أداء الواجب .

واعلم أن لهم شريعة وهي أن تعبده تعالى ، فعبادة الله تعالى شريعة عندهم لأنها المقصودة منها وإن كانت الشريعة عند الفقهاء ما شرعه الله تعالى من الأحكام ، وطريقة وهي أن تقصده بالعلم والعمل ، وحقيقة وهي نتيجتهما وهي أن تشهد بنور أودعه الله في سويداء القلب أي وسطه أن كل باطن له ظاهر وعكسه أي كل ظاهر له باطن معلوم ، كخرق الخضر للسفينة فإنه وإن كان منكرًا ظاهرًا فهو جائز في الباطن ، لأنه سبب لنجاة السفينة من الملك ، والأولى أن تعرّف الحقيقة بعلم بواطن الأمور كعلم الخضر بأن ما فعله مع موسى من خرق السفينة وغيرها فيه مصلحة ، وإن كان ظاهره مفسدة في البعض ، والشريعة ظاهر الحقيقة والحقيقة باطنها وهما متلازمان معنى كما سبق ومثلت الثلاثة بالجوزة ، فالشريعة كالقشر الظاهر ، والطريقة كاللب الخفي ، والحقيقة كالدهن الذي في باطن اللب ، ولا يتوصل إلى اللب إلا بخرق القشر ولا إلى الدهن إلا بدقّ اللب .

وقوله: ( لطائف سرّه ) جمع لطيفة ولعل المراد بها ما يطلعون عليه من الأسرار الخفية كما وقع للخضر مع موسى بدليل أنه جعلهم من أهل المحاضرة أي: الحضرة الإلهية أي مشاهدته تعالى بقلوبهم من الحضور وهو الشهود . قال الطبلاوي في السر القدسي وقد نبه أهل الحقيقة أن لأصحاب النهاية في المكاشفات ثلاث مراتب: المحاضرة وهي حضور القلب عند الدلائل ، ثم المكاشفة وهي أن يصير العبد في سيره إلى الله عز وجل غير محتاج إلى طالب السبيل وتأمل الدليل ، ثم المشاهدة وهي عبارة عن توالي الأنوار من التجلي على قلب العبد من غير أن يتخللها انقطاع ، فالمحاضرة كرؤية الشيء في النوم والمكاشفة كرؤية الشيء بين النوم واليقظة ، والمشاهدة كرؤية الشيء في اليقظة ، ومثال ثان وهو أن المحاضرة تشبه الجلوس على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت