""""""صفحة رقم 11""""""
قوله: ( بإقامة الحجج ) جمع حجة وهي الدليل ، وهو ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظنّ ؛ فالمراد بالحجج الأدلة الدينية التي أثبتت أمرًا دينيًا سواء كان عمليًا أو اعتقاديًا ، فدخل فيه بعض الأدلة العقلية كقولنا: العالم متغير وكل متغير حادث ؛ فهذا دليل ديني مع أنه عقلي وسمي الدليل حجة لأنه يحج به الخصم ، ولذا سميت البينة حجة .
وقوله: ( ومعرفة الأحكام ) هو عطف على ما قبله من عطف المسبب على السبب ، لأن المعرفة ناشئة عن إقامة الحجج فسقط قول بعضهم: لو قدم هذا على إقامة الحجج لكان أولى ، لكنه أخره لأجل السجع ، والمراد بالأحكام التكليفية والوضعية وجملة التكليفية خمسة أو ستة على الخلاف في خلاف الأولى ، والوضعية خمسة ، لأن خطاب الوضع هو الخطاب الوارد بكون الشيء سببًا أو شرطًا أو مانعًا أو صحيحًا أو فاسدًا ، والأحكام: جمع حكم وهو لغة إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه ، واصطلاحًا خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين من حيث إنهم مكلفون ، أي كلامه القائم بذاته المتعلق بأفعال العباد تعلقًا تنجيزيًا كالمتعلق بالمكلفين ، أو تعلقًا معنويًا كالمتعلق بغير المكلفين ، فإنه متعلق بهم بمعنى أنهم إذا كلفوا خوطبوا به على سبيل التنجيز اه شوبري . والأولى تفسير الأحكام بالنسب التامة كثبوت الوجوب للنية في الوضوء ، كما فسر بها الجلال في شرح جمع الجوامع ليشمل الأحكام الشرعية والعقلية ، ولأنها التي يقام عليها الدليل قال ق ل: لو حذف لفظ معرفة لكان أعم وأولى ، ووجه العموم شموله لغير المعرفة كالعلم بالأحكام ونحوه ، ووجه الأولوية أن المعرفة تتعلق بالمفردات ، وهذا لا يناسب الأحكام لأن المراد بها النسب إلا أن يراد بالمعرفة العلم بناء على ما هو الصحيح من ترادف العلم والمعرفة . قوله: ( وأودع العارفين ) بالدال المهملة ولو أبدلها بأوزع بالزاي المعجمة أي ألهم كما في قوله تعالى: ) أوزعني أن أشكر نعمتك ) النحل: 19 ) لكان أولى إذ الوديعة شأنها لرد كما قال:
وما المال والأهلون إلا ودائع
ولا بد يومًا أن ترد الودائع وقد يجاب بأن محل كون الوديعة شأنها الرد إنما هو في الأمور الدنيوية بخلاف الدينية كما هنا ، لأنه إذا كان وعده لا يتخلف فبالأولى ما أوصله إلى عبيده . وأما سلب الإيمان ونحوه والعياذ بالله تعالى فنادر ، إذ الغالب أن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة فشكرها لا يسلبها عنه . ويجاب عنه أيضًا بأنه عبر بأودع نظرًا للحقيقة ، وما عليه أهل الحق من أن العبد ليس له مع الله شيء ، بل جميع ما عند العبد لا ملك له فيه حقيقة بل المالك له حقيقة هو الله تعالى اه ح ف .