أحب إلي من الدنيا وما فيها لما فارقته طرفة عين"، فقلت له:"يا أبا همام من الذي كان يعين أباك قبل أن تبلغ أشدك وتعينه"، قال:"الله"، قلت:"فليطمئن قلبك إذًا لأن الذي كان يرزقه ويعينه لا يزال متكفل برزقه"، ثم ذكرت له ما قاله الإمام المجاهد ابن النحاس الدمياطي رحمه الله في كتابه القيم مشارع الأشواق في تفنيد الحجة الثانية من حجج المتثاقلين عن الجهاد وهي الخوف على الولد والوالد والأهل حيث قال:"ألقه يا هذا عن بالك إلى من خلقك وخلقه، وتوكل في رزقه بعدك على الذي رزقك ورزقه، كيف أسلمت إلى الله تدبيره في الملك والملكوت، ولم تسلم إليه تدبير ولدك بعدما تموت؟ وهل لك من تدبير ولدك قليل أو كثير، ولله ملك السموات والأرض وإليه المصير؟، والله لا تملك له ولا لنفسك نفعًا ولا ضرا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورا، ولا تستطيع أن تزيد في عمره يسيرا، ولا في رزقه نقيرا، وقد تفترسك المنية في قبرك صريعا، وبعملك أسيرا، ويصبح ولدك العزيز بعدك يتيما، ويأخذ مالك وإرثك عدوًا كان أو رحيما، ويفترق عيالك ظاعنًا ومقيما إلى أن ذكر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ - إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} لقمان:33 - 34". مشارع الأشواق:1/ 119 - 120، فقال لي:"والله ما عندي شك في ذلك، ولكن القلب يحزن يا أخي"."
وبعد بضعة أيام ذهب إلى المعسكر مع أبي جعفر، ولما انتهت الدورة العسكرية توجه مع إخوانه إلى بغداد وشارك هناك في عدة معارك كان آخرها معركة اليوسفية الضروس التي استمر القتال فيها بين جند الرحمن وجند الشيطان لعدة أيام، وقضى فيها أبو همام نحبه مع ثلة من أسود التوحيد مقبلين غير مدبرين، ثابتين غير متزلزلين، فرحمهم الله تعالى أجمعين.