فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 99

والله لو لم أسطر في هذا الكتاب إلا سيرة هذا الأخ المجاهد لكان ذلك كافيًا وافيًا شافيًا في وصف أخلاق المجاهدين الرفيعة، وإنني لأفتخر كل الفخر بأن الله سبحانه وتعالى قد شرفني بلقاء الشيخ أبي حيدرة، وإنني لو خيرت بين لقائي معه مرة أخرى وبين أن أكون في أهل ومالي، لآثرت لقاءه على الأهل والمال، بل ولآثرت لقائه على كل ما طلعت عليه الشمس من أمور الدنيا.

كان أبو حيدرة من المهاجرين من جزيرة العرب، وكان رحمه الله شديد سواد لون البشرة، ولكنك لو نظرت في وجهه لحسبته قطعة من البدر، لما ترى عيناك من النور الذي في وجهه رحمه الله، وكان من عادته تقبيل رأس إخوانه عندما يلتقي بهم، ولا يستطيع أحدٌ منعه من فعل ذلك لشدة إصراره عليه رحمه الله.

وكان أبو حيدرة أمير اللجنة الإعلامية في الأنبار، ولكن الذي يراه لا يعلم ذلك إلا أن يُخبر به، من شدة تواضعه مع إخوانه ولين جنبه لهم، وكان رحمه الله صاحب سخاء في الإنفاق على إخوانه، وكان أول لقاء بيننا في قرية تسمى المعاضيد، إذ رأى الإخوة الأمراء جمع اللجنة الشرعية واللجنة الإعلامية في الأنبار في مكان آمن حتى تتمكن كلتا اللجنتين من إنجاز بعض ما هو مطلوب منهما إنجازه، وكذلك إنجاز ما لم يقدروا على إنجازه من قبل لكثرة تنقلهم من منطقة إلى أخرى بسبب شدة القتال في ذلك الوقت.

ثم تفرقت المجموعتان بعد بضعة ساعات، حيث ذهب بنا أحد الإخوة إلى مكان آخر في القرية لنستقر فيه، وفي اليوم التالي لحق بنا إخواننا الإعلاميون، ولما دخل أبو حيدرة المضافة أخذ يقبل رؤوس إخوانه واحدًا واحدًا وكأنه لم ير أحدًا منا منذ أشهر حتى وصل إلي، ولكن لقلة معرفتي بعادته تلك أبيت أن يقبل رأسي حتى أقسم علي بالله إلا قبل رأسي، فلم أستطع إلا أن أبر بقسمه رحمه الله، ثم قال لي:"لقد اشتريت لك نعلًا جديدة لأنني لاحظت في لقاءنا السابق أنك تلبس نعلًا لا تناسب قياس قدميك، وكذلك أشتريت لك بعض الملابس، لأنني سمعتك تطلب من الإخوة أن يحضروا لك حقيبة الملابس خاصتك، فخشيت أن يتأخروا عليك في إحضارها وليس عندك ما تبدل به ملابسك التي ترتديها"، فلم أدر ما أقول له من شدة المفاجأة.

ثم مكثنا في ذلك المكان ما شاء الله لنا أن نمكث، وفي أحد الأيام جاءنا خبر بأن الصليبيين قد يأتون إلى القرية لتفتيشها، وكان عدد الإخوة في تلك المضافة يزيد عن العشرين أخ، ويعتبر تجمع الإخوة بهذه الأعداد الكبيرة في مكان واحد من الأخطاء القاتلة في قوانين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت