فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 99

لولا ثقل لسان أبي محمد رحمه الله تعالى بتكلم العربية، لما توقع أحد أنه قد ولد وترعرع في بلد غربي مثل كندا، لما كان يتسم به من حسن الخلق وجميل الأدب، واللذان لا يُعرف لهما أي معنى في قاموس الكثير ممن يسكن تلك البلاد، وكان أبو محمد رحمه الله من أصل تونسي إذ هاجر أبواه إلى كندا هروبًا من طغيان حكامها المستبد وقمعهم لكل من يروم الإسلام الرباني وينبذ الإسلام الفرنسي!، كما هو معروف عن تلك البلاد، ولكن أبا محمد عاد الكرة في هجرته ولكن ليس إلى دولة غربية هذه المرة، بل إلى دولة قد شق فجر الإسلام طريقه إليها لدحر ظلمها وظلامها، وسطع نور التوحيد في آفاقها ببريق سيف الحق الناصر، ولآليء القرآن الهادي.

وكان رحمه الله تعالى شديد الحب والتوقير والتقدير للعلماء الربانيين في هذا الزمان، وخاصة الشيخ أبو محمد المقدسي حفظه الله تعالى، فإنه لما علم في أحد المرات التي شرفني الله بلقائه فيها أنني قدمت من الأردن سألني عن أخبار الشيخ أبي محمد المقدسي حفظه الله، فأخبرته بأن أخباره طيبة وأحواله جيدة إن شاء الله تعالى، فقال لي:"أخبرني عن الشيخ، وكيف كان طبعه عندما كنتم تجلسون معه، وأخبرني عن حديثه معكم عن قرب"، فقلت له:"ما المسؤول عن ذلك بأعلم من السائل، إذ أنني لم ألتق بالشيخ قط"، وما أن انتهيت من كلامي حتى تفجر في وجهي معاتبًا ومأنبًا وكأن قنبلة قد انفجرت، فقال:"الله أكبر، تسكن في الأردن ولم تلتق بمجدد الدين لهذا القرن قط، الله أكبر، تسكن في جواره ولا تكلف نفسك يومًا بزيارته ولقائه، والله لو أن الشيخ كان عندنا لما تركناه يمشي على الأرض، فالله المستعان"، فقاطعت استرساله في توبيخه لي وقلت:"يا أخي، إتق الله وارفق بي فإنك تعلم أن الشيخ في السجن منذ سنين، ولعلك تعذرني كما عذرت نفسك عندما تعلم أنني كنت أعيش خارج الأردن في الوقت الذي كان فيه الشيخ خارج السجن"، فسكن عندها غضبه، وهدأت أعصابه، وكأني به وقد قبل عذري.

وإنني لأتساءل أحيانًا، فأقول: إذا كانت هذه ردة فعل أبي محمد لما علم أنني لم أر الشيخ قط وأنا أسكن في نفس البلد الذي يسكن فيه الشيخ، فكيف تكون يا ترى ردة فعله لو رأى زهدنا وزهد إخواننا في رؤيته والجلوس معه وقد فك الله أسره، بل ماذا تراه يفعل لو سمع البعض وهم ينتقصوه ويطعنوا فيه على مرآى ومسمع منا ونحن لا يتحرك فينا ساكن ولا نذب عنه ببنت شفة، فإلى الله المعذرة والمشتكى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت