لم يمض على دخول أبي عايد رحمه الله تعالى بلاد الرافدين إلا أسبوع أو عشرة أيام قبل أن تشب نيران معركة القائم، وكان أبو عايد من أهل الجزيرة العربية، ولما دخل العراق أتى به الإخوة إلى مضافة أبي فتحي.
وبعد ما جلس أبو فتحي معه للتعرف عليه، كعادته مع كل من ينزل عنده، عرف أن أبا عايد من طلبة العلم الشرعي، فجاءني وأخبرني بذلك، فقال: لقد وصل إلى المضافة طالب علم من الجزيرة العربية، فحبذا لو تأتي إلى المضافة لتتعرف عليه، ثم تضع له برنامجًا لتدريس الإخوة في المضافة، فقلت له أنني سأفعل ذلك إن شاء الله تعالى، ولكنني تأخرت عن الذهاب لبضعة أيام لانشغالنا بقتال كتائب الخسة، ولما قدر الله لي اللقاء به، وكان ذلك قبل المعركة بيومين تقريبًا، تفاجأت عندها بغزارة علمه وعلو همته، فإنه كان قد باشر بوضع برنامج لتدريس الإخوة منذ اليوم الثاني من وصوله إلى المضافة.
وهذا هو دأب أصحاب الهمم العالية، فهم لا ينتظرون من أحد أن يطلب منهم خدمة دين الله سبحانه وتعالى، والعمل لرفع رايته، والتسابق والتنافس في بذل ما عندهم من علم أو مال أو قوة جسدية وخبرة عسكرية من أجل قيام دولة الخلافة على منهاج النبوة، فإن دولة الخلافة لا تقوم بسواعد أصحاب الهمم الساقطة، ولن يقيمها أصحاب الدعة والراحة، الذين لم تعرف قلوبهم إلا فنون التمني والأحلام، ولو أنها تقوم بغير همم الجبال وبذل الغالي والنفيس لأقامها الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم، الذي شج وجهه بأبي هو وأمي وولدي وأهلي ومالي ومن في الأرض جميعًا، وكسرت رباعيته، وحطمت البيضة على رأسه، كل ذلك يجده وهو في ساحات الوغى، فلم يحمله علمه على القعود عن الجهاد وعلى الدعة والراحة والتمني على الله الأماني وهو المعلم الأول صلى الله عليه وسلم، ولم تمنعه سيادته الرفيعة من أن يكون في مقدمة الركب وقيادته وهو سيد بني آدم صلى الله عليه وسلم، بل إن علمه وسيادته حملاه على خوض غمار المعارك واقتحام ساحات المعامع بنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم حتى إذا حمي الوطيس رأيت أصحابه يلوذون به ويحتمون بصدره، وهو ثابت القدم، رابط الجأش، عالي الهمة، حاديًا في وجه الأعداء قائلًا: (( أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ) )، فهكذا هم أصحاب الهمم العالية وهكذا كان أبو عايد رحمه الله تعالى.
وأما عن علمه، فلقد اطلعت على بعض كتبه بعد مقتله، وخاصة كتاب المغني لابن قدامة المقدسي فوجدت بعض تعليقاته على الأحاديث الواردة فيه مما يدل على سعة حفظه