فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 99

ثاني قتلى معركة العبيدي، لم ألتق بأبي ناصر سوى مرتين أو ثلاثة، إذ أنه كان من المهاجرين الجدد، نعم لقد كان أنصاريًا مهاجرًا غريبًا من الغرباء الذين اجتمعت فيهم غربة الدين والدنيا كما ذكرنا في فصل الغربة، ولم نتحدث كثيرًا في أول لقاء أو لقائين، ولكن في لقائنا الأخير جرى بيني وبينه حديث برزت فيه نفاسة معدنه الطيب، وكان ذلك اللقاء في ليلة السبت التي سبقت المعركة، إذ جاء لزيارتنا مع بعض إخواننا، وكان أميرنا قد أحضر لنا سلاح البيكا قبل يومين، والذي كنا قد طلبناه منه لحاجة مجموعتنا إليه بعدما تعطل سلاحنا في قتالنا لكتائب الخسة.

ولما رأى أبو ناصر تلك البيكا قال:"من أين لكم هذه البيكا؟"، قلت له: أحضرها لنا الأمير، فقال:"هذه بيكتي"، فقلت له: نحن لا نعرف بيكا من هذه ولا من أين جاء بها أميرنا، فقال:"سآخذها معي وأضعها في مجموعتي"، فسألته: هل عندكم بيكا غيرها؟، فقال:"نعم"، قلت: أما نحن فليس عندنا غيرها، وسنرجعها إليك عندما نرزق بغيرها إن شاء الله تعالى، فقال:"بل سآخذها الآن لأنني بحاجة إليها"، فقلت له: إذا كانت نفسك تطيب بأن تترك إخوانك بدون هذا السلاح الذي تعلم أنت أنه أهم سلاح في المجموعة بعد ال"أر بي جي"فخذه، ولكن إذا باغتنا العدو ولم نجد عندها ما ندفع به عن أنفسنا وعن المدينة فأرجو عندها أن تتحمل ملامة نفسك، فقال عندها:"لا والله يا أخي لا تطيب لي نفسٌ بأن أبات محصّنًا بالسلاح وإخواني عزل، فخذوا هذه البيكا ولا ترجعوها إلي حتى لو توفر عندكم غيرها فهي هدية مني إليكم"، ولم يدر رحمه الله أنه ربما يكون قد اشترى الشهادة بتلك البيكا التي آثرنا بها على نفسه، والتي نسأل الله تعالى أن يكون قد نالها في صبيحة اليوم التالي، نحسبه كذلك والله وحده حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت