وقد آن للثغر أن يرتوي ... ويُلثم ثغرًا نقيَّ البهاء ...
وهبتَ لمولاك روح الفداء ... فكنتَ المُجازى وكنتُ الجزاء ...
فذابا عناقًا وهاما وصالًا ... وأُسْدِل سِترُ الأسى والشقاء
في تلك الليلة التي اجتمعنا فيها لوداع أولئك الأبطال الثلاثة، ذهب أبو الوليد وأبو سعيد وأبو صالح برفقة أبي جعفر المقدسي ليطلعهم على خطة تنفيذ العملية، ثم رجعوا إلينا في الصباح الباكر وهم يرتدون الثياب البيض والعمائم البيض، قاصدين أن يُزَفوا بتلك الثياب إلى زوجاتهم من الحور العين، ولما دعوناهم إلى طعام الإفطار أخبرونا بأنهم صائمون، وأنهم يرجون من الله أن يتقبلهم ليفطروا مع أهليهم في الجنة، وأخبرني أبو الوليد أنهم سينفّذون العملية في تمام الساعة الثامنة والنصف صباحًا، وأنهم سيفجرون مبنى الجمرك في مدينة حصيبة الواقع على الحدود العراقية السورية، والذي كان شبه قاعدة أمريكية حدودية، وأنه سيقود سيارة شحن تحمل ثلاثة أطنان ونصف من المتفجرات ثم يتوجه بها إلى المبنى الرئيسي بعد أن يقوم إخواننا المقاتلون برمي حراس المبنى برشاشات البيكا وقذائف الهاون لإشغالهم، ومن ثم يَنقَضُّ أبو سعيد وأبوصالح على مداخل المبنى بمفخخاتهم ويفجرونها في أبراج الحراسة والقناصة الواقعة على مداخل الجمرك ليفتحوا بذلك طريقًا لأبي الوليد ليصل إلى أم وكر الصليبيين.
ثم قام أبو الوليد وإخوانه وتوجهوا لتنفيذ العملية، فودعناهم مرة أخرى وأخيرة، وبعد عشرين دقيقة تقريبًا، شعرنا باهتزاز في جدران المضافة وزجاج النوافذ، فعلمنا عندها أن الإخوة قد نفذوا العملية، ولما سارعنا إلى خارج المضافة على أمل أن نرى شيئًا من العملية، إذ بصدى دوي انفجار قوي يملأ الأجواء، مع أن مكان الإنفجار كان يبعد عنا ما لا يقل عن خمسة عشر كيلو مترًا، وتتبعت أبصارنا دخان الإنفجار المتصاعد إلى السماء، وكان ذلك الدخان آخر عهدنا بهم، تقبلهم الله جميعًا في فسيح جناته.
وبعد عدة ساعات بدأت الأخبار تتوالى عن حجم الخسائر البشرية والمادية التي مني به العدو، فلقد رأينا طائرات الشينوك تهبط في موقع العملية ثم تقلع ثانية أكثر من خمس مرات ومن المعروف في العراق أن طائرات الشينوك هي طائرات مخصصة لإسعاف الجرحى من الجنود الصليبيين ونقل القتلى منهم، ومن المعلوم أيضًا أن كل طائرة من طراز شينوك تتسع لأربعين راكبًا، فتأمل!.