أبو نصر السوداني هو تاسع شهداء معركة القائم، وثالث شهداء معركة الكرابلة.
لقد التقيت بأبي النصر في الليلة التي اجتمع الإخوة فيها في مضافتنا لوداع أبي الوليد وصاحبيه رحمهم الله، ولم يتم بيننا تلك الليلة سوى التصافح وتبادل بعض كلمات الترحيب، ولكن الذي لفت انتباهي وانتباه بعض الإخوة في المضافة، هو هيئته رحمه الله عندما دخل علينا والتي توحي بشدة بأسه، وقوة عزمه، إذ كان أبو النصر طويل القامة، آدم البشرة، يحمل على كتفه سلاح البيكا الثقيل - والذي تبين فيما بعد أنه سلاحه الشخصي، أي أنه اشترى ذلك السلاح بخالص ماله -، يلف على أكتافه ووسطه شريط الذخيرة، مما يجعل الذي يراه يظن أنه قد خرج لتوه من معركة حامية الوطيس.
ولقد شرفني الله بلقائه مرة أخرى، عندما التحق بمجموعتنا ليلة انحيازنا إلى الصحراء بعد عملية أبي الشهيد رحمه الله، وإنني لأتذكره وكأنني أراه الآن وأنا أكتب هذه السطور، وهو يمشي أمامي ونحن ذاهبون إلى الصحراء مشيًا على الأقدام، يحمل البيكا على كتفيه بشكل أفقي، وهو يتقدمنا جميعًا في المسير لطول خطواته رحمه الله، ولم يتكلم في تلك الليلة كثيرًا بل إن كل الإخوة الذين كانوا معنا لم يتكلموا كثيرًا لشدة تعبهم ولم نسمع صوت أحد إلا صوت أبي عبدالله التونسي رحمه الله وهو يحذرنا بين الفينة والأخرى من الطيران كعادته.
وفي صباح اليوم التالي جاء أحد الإخوة ليأخذ أبا النصر ويعيده إلى مجموعته التي كان فيها، فلم ألقه أو أسمع عنه شيء بعدها حتى وقعت معركة القائم، وجاء بعدها خبر مقتله رحمه الله، ومع شدة حزننا على فقد إخواننا، إلا أننا غبطناهم لمواقفهم المشرفة التي ختم الله بها أعمالهم، نحسبهم كذلك والله حسيبهم.
ومن تلك المواقف، موقف أخينا أبي النصر لما بلغه تخيير أبي جعفر للمجاهدين بين الإنسحاب وبين البقاء في مدينة الكرابلة، إذ قال:"الله أكبر أأنسحب وقد فتح الله اليوم أبواب الجنة، لا والله لن أنسحب فتغلق تلك الأبواب دوني".
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، فما أشبه اليوم بالأمس وما أشبه المجاهدين اليوم بأجدادهم المجاهدين الأول من المهاجرين والأنصار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت