فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 99

كان أبو فتحي رحمه الله تعالى أمير مضافة المهاجرين الجدد في مدينة العبيدي الذين لم يتم تدريبهم وتوزيعهم على المجاميع بعد، وكان رحمه الله قليل الكلام شفيقًا على إخوانه من المجاهدين الجدد، رفيقًا بهم، لا تخاله إلا أبًا لهم حريصًا على كل ما ينفعهم، صبورًا على تعليمهم مبادىء الأمنيات، ووجوب طاعة الأمير وغيرها مما يلزم المجاهد المبتدىء معرفته، وكان رحمه الله شديد الحب للمجاهدين يستصغر نفسه أمام الجندي الجديد منهم فضلًا عن الأمير القديم، وكان في الإنفاق على إخوانه آية من آيات الجود والكرم.

ولقد أكبرته لكلام قاله لي ذات يوم، إذ جاءني يشتكي بعض ما يطلبه الإخوة في المضافة من مشتريات فقال: إن فلان وفلان يطلبون مني شراء بعض الحاجات الغير ضرورية من أطعمة وأشربة وغيرها، وأنا أريد منهم أن يتعودوا على الخشونة قليلًا لغلبة الظروف الصعبة والشاقة في أرض الجهاد على الرفاهية منها، فقلت له: إذا كنت ترى أن بعض المشتريات غير ضرورية فلا تشتريها إذًا، ونبه الإخوة على الإقتصاد فيما يطلبونه فلا يطلبون إلا شراء الأشياء الضرورية، فأجابني بكلمات لا يزال صداها يطرب أذني قائلًا:"والله إنني لأخجل يا أبا عبد الرحمن من أن أرد طلب أحد إخواني المجاهدين، وخاصة المهاجرين منهم الذين لم يأتوا إلى هذه البلاد إلا لنصرة دين الله وذبًا عن دمائنا ودفعًا عن أعراضنا، فلربما يقتل أحدهم قريبًا وقد مَنَعْتُهُ شيئًا طَلَبَتْهُ نفسه، فكيف أسامح نفسي عندها؟."

فلله درك يا أبا فتحي ما أكرمك، وما أرحمك على إخوانك،

تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله ...

فلو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله ...

هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود

ولقد كان أبو فتحي رحمه الله أحد أول قتيلين في معركة العبيدي من مجموعة الهاون التي كان لها في تلك المعركة نصيب الأسد من دفع صولة الجيش الصليبي على المدينة، فلقد أصابته شظية من شظايا القنابل التي كان العدو يرد بها على مجموعته وكان فيها مصرعه رحمه الله، فأسأل الله أن يتقبلك يا أبا فتحي بقبول حسن، وأسأله سبحانه أن يكرم نزلك كما أكرمت نزل إخوانك، وأن يحسن إليك كما أحسنت إليهم، إنه جواد كريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت