فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 99

وأكرر أسفي الشديد هنا أيضًا، لأنني لا أعرف الكثير عن هذا الجبل الأشم، لأنه لم يكن قد مضى على دخوله العراق إلا بضعة أسابيع، ولم أره إلا مرتين، أما المرة الأولى فكانت عندما قدم لزيارتنا مع بعض الإخوة، ولم يتعد حديثنا في ذلك اللقاء بعض عبارات الترحيب، وأما المرة الثانية، فلقد رأيته بين إخواننا القتلى في المقبرة، وكان رحمه الله قد أصيب برصاصة قناص دخلت في عينه وخرجت من مؤخرة رأسه، ولم ولن أنسى بإذن الله تلك الإبتسامة الجميلة التي رأيتها وقد رسمت على وجهه عندما كشفتُ الغطاء عنه في المقبرة.

لقد قلت آنفا أنني لا أعرف عن أبي عبدالله الشيء الكثير، بل إنني لا أعرف عن سيرة حياته شيئًا البتة، ولكن الذي لم أعدم معرفته هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر عباد الله الصالحين أنه في اليوم الذي ستدنو فيه الشمس حتى تقف وليس بينها وبين رؤوس الخلائق إلا مقدار الميل، فيلجم بالعرق من أقصاه الله عن جنابه، ويذوق حرارة لهيبها من شب وشاب في عصيانه، ويصلى حميمها من أفنى عمره غريقًا في بحر شهواته، بشرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن أناسًا سيكونون في مأمن من ذلك كله، أناسًا لا تعرف الشمس في ذلك اليوم العظيم ولا غيرها لإيذاءهم سبيلا، وكيف تؤذي الشمس المسخرة الذليلة بأمر الواحد القهار قومًا أدخلهم الله في جواره فهم يتنعمون بظل عرشه الكريم يوم لا ظل إلى ظله، فيومئذ يكون هؤلاء في شأن والناس في شأن آخر، تمامًا كما كان حالهم في الحياة الدنيا، فوالله إن هؤلاء اليوم لفي شأن وسائر البشرية في شأن آخر، وذكر من أنواع أولئك الذين سيؤيهم الله إلى ظل عرشه سبعًا، وكان ثاني هؤلاء ذكرًا (( شاب نشأ في عبادة الله ) ).

وأما أبو عبدالله فهو شاب لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، شاب لم يمنعه صغر سنه أن يحمل على عاتقه أثقل الهموم، كيف لا والهم هو هم الأمة بأكملها، وأبى قلبه الصغير في حجمه إلا أن ينشغل ويهتم ويكبر بأشرف الهموم، هم لا إله إلا الله.

فإنه لم يرض إلا بمقارعة أعتى قوة عسكرية على وجه الأرض، فأمريكا المهولة في أعين صغار الأعين، المخوفة في قلوب صغار القلوب، وإن كبر سنهم وعلت مناصبهم فهم والله صغار، لأن عينًا كعين إبي عبدالله لم تر فرعون العصر أمريكا إلا ذبابة أو بعوضة وربما كانت في عينه أصغر من ذلك بكثير، فالحمد لله الذي لم يعقم أرحام الأمة من أن تلد أمثال معاذ ومعوذ ابني عفراء اللذين لم يرضيا يوم بدر إلا بقطف أكبر رأس من رؤوس قريش، فرعون هذه الأمة أبي جهل - لعنه الله -، وهما يومئذ غلامان حديثا السن كما وصفهما عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وهو يروي قصته معهما يوم بدر فقال: (إني لفي الصف يوم بدر إذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت