جعفر المقدسي رحمه الله تعالى مخطط العملية والمشرف على تنفيذها، وكنت أجلس تلك الليلة إلى جانب أبي الوليد، فأمال رأسه ناحيتي وقال لي: هل تعلم يا أبا عبد الرحمن أنني من بني قحطان، قلت له: لا - ولا أظن أن أحدًا في المضافة كان يعلم بذلك -، قال: نعم أنا من بني قحطان في الجزيرة العربية، وإن والدي من كبار شيوخ قحطان، وإنني لأحب عشيرتي كثيرًا وأحب أشقائي كثيرًا جدًا، ولم أكن أظن أنني في يوم من الأيام سأحب أحدًا أكثر من إخوتي وعشيرتي، ولكنني والله يا أبا عبد الرحمن قد أحببت إخواني المجاهدين من مهاجرين وأنصار أكثر من حبي لأشقائي وعشيرتي.
قلت: والله ما أظن أن تلك الكلمات قد خرجت إلا من قلب صادق مخلص، أحسبه كذلك والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدًا، فرحم الله أبا الوليد وأحسن الله قبوله في زمرة الشهداء وأسكنه فسيح جناته، آمين.
كان أبو سعيد القطري رحمه الله تعالى إمام المضافة في الصلاة، كان يحفظ عشرين جزءًا من كتاب الله، وكان يمضي جل وقته في حفظ العشرة أجزاء الباقية، ولم يكن كثير الكلام ألبتة، بل كان كثير الصمت، كثير التبسم في وجه إخوانه، ولم أكن أعرف عنه الكثير، إلى أن قدر الله عز وجل لي أن أكون رفيقه في الحراسة في أحد الليالي التي كان يستوجب علينا فيها أن نحرس مثنى مثنى.
وبعد أن تحدثنا في بداية تلك الليلة عن بعض الأمور العامة، أخذ يشكو إلي ما كان يلقاه هو وإخوانه الموحدون من أذى المرجئة الخبثاء في قطر، وتلبيسهم على الشباب بشبههم الخبيثة في مسائل الجهاد، وصرفهم بها عن طرق أبوابه وخوض غماره، وقتلهم نصرة دين الله في قلوب الشباب، وإطفاء لهيب الغيرة على دماء الأمة وأعراضها - أخرس الله ألسنتهم وشل أركانهم -، وأخبرني رحمه الله في تلك الليلة كذلك عن مدى حزنه لقلة عدد أبناء بلده القطريين في صفوف المجاهدين، وكان يتمنى نفير الصادقين منهم إلى أرض العراق أرض العزة والكرامة، أسأل الله العظيم أن يكتبه مع إخوانه الشهداء في أعلى عليين.
أبو صالح النجدي (رحمه الله) :
كان رحمه الله أكثر من قابلت ذكرًا للحور العين في حياتي، إذ كان لسانه لا يفتر أبدًا عن وصفهن، والتغني بحسنهن وجمالهن، وخاصة من كان يطلق عليها اسم"لعبة"، فإنه كان رحمه الله يصفها وكأنه يراها رأي العين، وكان رحمه الله شديد الحرص على إدخال السرور إلى