فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 99

كان أبو علي رحمه الله تعالى من المجاهدين القدامى الذين شاركوا في معركة الفلوجة الثانية، وبطل من أبطالها الذين لم تكتب لهم الشهادة على أرضها، وكان أحد جنود اللجنة الإعلامية، ولقد شرفني الله بلقائه مرات عديدة لما كنا في مدينة العبيدي، وكان من ضمن تلك اللقاءات، لقاء لا زلت أذكره إلى الآن لأنه ترك أثرًا كبيرًا في نفسي من جهة حقيقة قدر المجاهدين في سبيل الله.

ففي أحد الأيام جاء أبو فتحي رحمه الله إلى زيارتنا وطلب مني الذهاب معه إلى مضافته للتكلم مع الإخوة عن الصبر تحديدًا، لأن بعض الإخوة لم يتم توزيعهم إلى المجاميع المقاتلة بعد، وكأنه لمس فيهم بعض الاستعجال فخشي أن يؤدي بهم استعجالهم إلى بعض السلبيات التي تعود بالضرر على أنفسهم من جهة وعلى من معهم من الإخوة من جهة أخرى، فرأيت أنه لا بد من أن يكون المتكلم معهم رجل جرب الصبر على أمور هي أعظم بكثير مما يشكوه إخواننا، وتذكرت عندها أخي أبا علي إذ أن كل الإخوة الذين خرجوا من الفلوجة يحملون في جعبتهم الكثير الكثير من قصص الصبر والثبات والبطولة والفداء والشجاعة، فذهبت إليه وأخبرته عن حال إخواننا الجدد وطلبت منه أن يأتي معي ليتكلم معهم ويذكرهم بالله ويحثهم على الصبر وما يترتب عليه من أمور طيبة محمودة من خلال سياق تجاربه الشخصية، فوافق رحمه الله تعالى كعادته في قبول بل السعي في أي شيء يستطيع أن يخدم به دين الله سبحانه وتعالى، أو يخدم به إخوانه.

ولما وصلنا إلى المضافة وبعد سلامنا على الإخوة، قلت لهم:"إنني لم آتيكم اليوم متكلمًا، بل إنني جئت لأستمع وإياكم لكلام أحد أبطال الفلوجة وما عنده من قصص إخوانكم الذين مرغوا أنف عباد الصليب وأوليائهم بالتراب".

وبعد أن عرفتهم عليه بدأ يتكلم عن بطولات إخوانه في المعارك الآخيرة في الفلوجة حتى وصل إلى آخر أيام المعركة التي حاصرهم الأمريكان فيها وشددوا عليهم فيها الخناق، فقال:"لما انتهت الطائرات من قصفها المكثف والذي استمر لعدة أسابيع وتوغلت دبابات الجيش الصليبي وراجلته وقناصته في أحياء المدينة لجأنا إلى أحد البيوت التي كنا قد حفرنا فيها الخنادق، وكان عددنا ستة ولم يكن معنا سوى ما يقارب الثلاثين رصاصة من رصاص الكلاشنكوف موزعة بيننا، فنزلنا إلى الخندق ووضعنا فوق رؤوسنا صفيحةً من حديد - زينكو، أو شينكو كما يسميه إخواننا العراقيون - وبعد ساعات دخلت مجموعة من القناصة الصليبيين إلى المنزل واتخذوا من سطح البيت مقرًا لهم، وبقينا داخل الخندق لمدة ثلاثة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت