التعرف على مكانة هؤلاء في مجتمع الناس، وذلك أن الناس لا تسرع إلى موافقة وقبول اختيار إلا من تعلمه وتراه بارزًا مشهورًا مشاركًا في مصالح الناس، وعلى ذلك فإن أهل الحل والعقد ليسوا مجرد أُناس عاكفين على العلم والمعرفة منقطعين عن الناس وعن واقع الحياة، فإن هؤلاء أكثرهم مجهول بالنسبة لعموم الناس، فالخامل ـ وإن كان عالمًا ـ الذي لا ذكر له ولا جهد في حركة المجتمع أنَّى ينتبه الناس له؟!
وأما العدد الذي تنعقد به بيعتهم؛ فليس لذلك حد معلوم؛ إذ لم يثبت بذلك نص، والمتيقن منه في ذلك أن حصول الإجماع ليس شرطًا في ذلك، كما أن الواحد والاثنين اللذين يعقدان من غير مشورة المسلمين لا يصلح ذلك منهما، وقد استعرض أبو المعالي الجويني كل الأقوال الواردة في ذلك، وخلص إلى القول: «فالوجه عندي في ذلك أن نعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع يحصل بهم شوكة ظاهرة ومنعة قاهرة» [1] ، وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «بعض أهل الكلام يقولون: إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة، كما قال بعضهم: تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم: تنعقد ببيعة واحد، فليست هذه أقوال أئمة السنّة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشوكة عليها الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بُويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إمامًا، فالإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير ملكًًاًً بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة، إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم، بحيث يصير ملكًا بذلك ... فمن قال إنه يصير إمامًا بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلف الواحد أو الاثنين أو العشرة يضر فقد غلط» [2] .
(1) - غياث الأمم، (ص 56) .
(2) - منهاج السنة النبوية، (1/ 526 ـ 531) .