طلبها [1] . وأما مخالفتها في تحديد من إليهم الاختيار؛ فهي تُدخل في ذلك رعايا الدولة كلهم بما فيهم من المسلمين، والفاسقين، والكفار، والرجال والنساء، وهذا مخالف لإجماع أهل العلم، فإن أهل الذمة (المواطنين الكفار) لا يدخلون في اختيار الخليفة، وكذلك إجماع أهل العلم على عدم دخول النساء في الاختيار [2] . وهذا التحديد لأهل الاختيار في الطرق المعاصرة ناتج من طغيان الفكر الديمقراطي القائم على أن السيادة للشعب، وأن القانون ما هو إلا مظهر للإرادة الشعبية، وانطلاقًا من هذا الفكر يصبح كل مواطن في الدولة (مسلم أو كافر) له نصيب في السيادة، وبالتالي فإن حقه في اختيار الحاكم حق أصيل، وهذا التصور العلماني الذي تقوم عليه الديمقراطية مباين مباينة تامة لدين الإسلام، حيث التشريع فيه لله الواحد القهار، وعلى ذلك أدلة كثيرة جدًا من الكتاب والسنّة [3] .
ثانيًا: اشتمال هذه الطريقة على المفسدة التي تذهب بالغاية منها:
ثم إن هذه الطريقة تشتمل على مفاسد كثيرة تُضيع الفائدة التي تُطلب تحققها، ومنها:
1 ـ إمكانية تزوير الانتخابات في هذه الطريقة نظرًا لاتساع رقعة الأرض وكثرة أعداد الناس الذين يحق لهم المشاركة في ذلك، وتنوع الحالات الإيمانية لهذه الأعداد الغفيرة من أقصى درجات قوة الإيمان إلى أضعف الدرجات.
2 ـ إمكانية شراء الذمم المتبادلة بين الناخب وبين الطالب للمنصب، حيث تعقد بينهما صفقة بمقتضاها يمنح الناخبون موافقتهم له، وهو يعطيهم عند فوزه بالمنصب الامتيازات التي تم الاتفاق عليها، وقد تكون هذه الصفقة بين الطالب للمنصب وبين أفراد الناخبين، كما تكون بينه وبين
(1) - انظر هذه النصوص في: صحيح الإمام مسلم، كتاب الإمارة / باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، (12/ 285 ـ 287) ، شرح النووي، وصحيح البخاري، كتاب الأحكام/ باب من لم يسأل الإمارة أعانه الله عليها، باب من سأل الإمارة وكل إليها، باب ما يكره من الحرص على الإمارة، فتح الباري (13/ 132 ـ 134) . على أن هناك بعض الحالات الاستثنائية يجوز فيها طلب الإمارة كما في قصة يوسف عليه السلام، وكما في تولي خالد بن الوليد إمارة الجيش في غزوة مؤتة، لكن ذلك ليس الأصل، إنما هي أحوال استثنائية تشرع عند توفر مسوغاتها، والأصل ما قدمناه، انظر: غياث الأمم، ص 231، وما بعدها.
(2) - انظر: غياث الأمم في التياث الظلم، (ص 48 ـ 49) ، وقد خالف بعض المعاصرين في ذلك بغير حجة صحيحة.
(3) - انظر مثلًا: (الحكم بغير ما أنزل الله) ، د/عبدالرحمن المحمود، (حكم الله وما ينافيه) د/عبد العزيز العبد اللطيف، (الحكم والتحاكم في خطاب الوحي) ، د/عبد العزيز كامل، (إن الله هو الحكم) ، محمد بن شاكر الشريف.