بالشوكة العتيدة، والعدد المعدة، فقد شغر الزمان عن القائم بالحق، ودفع إلى مصابرة المحن طبقات الخلق .. فإن تيسر نصب إمام مجتمع للخصال المرضية والخلال المعتبرة في رعاية الرعيَّة؛ تعين البدار إلى اختياره، فإذا انعقدت له الإمامة، واتسقت له الطاعة على الاستقامة، فهو إذ ذاك يدرأ من كان، وقد بان الآن أن يُعَدَّ درؤه في مهمات أموره؛ فإن أذعن فذاك، وإن تأبى عامله معاملة الطغاة، وقاتله مقاتلة البغاة .. وإن علمنا أنه لا يتأتى نصب إمام دون اقتحام داهية دهياء، وإراقة دماء، ومصادمة أحوال جمة الأهوال، وإهلاك أنفس ونزف أموال؛ فالوجه عندي أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلون به؛ بما يفرض وقوعه في محاولة دفعه، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يُقدَّر وقوعه في روم الدفع؛ فيجب احتمال المتوقَّع له لدفع البلاء الناجز، وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون على ما الخلق مدفوعون إليه؛ فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع .. »، إلى أن يقول: «ومما يتصل بإتمام الغرض في ذلك؛ أن المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته، وكثرت عاديته، وفشا احتكامه واهتضامه، وبدت فضاحته، وتتابعت عثراته، وخيف بسببه ضياع البيضة وتبدد دعائم الإسلام، ولم نجد من ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة؛ فلا يطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا، فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأُبيدوا، وكان ذلك سببًا في ازدياد المحن وإثارة الفتن، ولكن إن اتفق رجل مطاع ذو أتباع وأشياع، ويقوم محتسبًا آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه؛ فليمض في ذلك قدمًا، والله نصيره على الشرط المقدم في رعاية المصالح والنظر في المناجح، وموازنة ما يندفع ويرتفع بما يتوقع .. فإن قيل: قد قدمتم أن وجه خلع الإمام نصب إمام ذي عدة؛ فما ترتيب القول في ذلك؟ قلنا: الوجه خلع المتقدم ثم نصب الثاني يدفعه دفعه للبغاة كما سبق تقريره. فإن قيل: فمن يخلعه؟ قلنا: الخلع إلى من إليه العقد» [1] .
(1) - غياث الأمم في التياث الظلم، (ص 80 ـ 96) .