فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 60

على سياسة الدولة وانتشر فيها الخلل، وخيف بسبب ذلك انفراط عقد الدولة؛ فإنه ينبغي والحالة هذه أن يُعزل عن الخلافة، ويستأنف أهل الحل والعقد الاختيار - على ما تقدم ذكره - لمن هو أقدر على ذلك، والوجه في ذلك أن تصدر محكمة مشكّلة لذلك حكمًا بعزل الخليفة وخروجه عن حد الخلافة أولًا، ثم تبدأ إجراءات عقد الخلافة لمن يستحقها ويصلح لها ثانيًا.

وقد يحدث في مثل هذه الحالات أن يستظهر الخليفه بجنده الذين تحت إمرته؛ فما العمل في مثل ذلك؟ [1]

ولهذا الأمر حل وقائي وآخر علاجي؛ أما الوقائي: فهو نشر العلم بين الناس بهذه المسائل وتعليمها لهم، ووضع النظام الذي يبين خروج الخليفة عن الصلاح لمنصبه، وتفهيم الأمة أن صدور الحكم من المحكمة بعزل الخليفة يُفقده جميع صلاحياته ولا ينبغي لأحد طاعته، وإذا فهم الناس ذلك وحرصوا عليه وتمسكوا به أمكن عزل ذلك الخليفة وتعيين بدل له من دون أية مشاكل أو اضطراب. لكن قد يحدث أن يبلغ الخليفة في الظلم والطغيان أن يمنع أهل الحل والعقد من مزاولة أعمالهم، وقد يسجنهم، وقد يمنع المحكمة من الانعقاد، ويستعين على ذلك كله بالجند الذين يغدق عليهم الأعطيات، وفي هذه الحالة يظهر الحل العلاجي.

وقد افترض إمام الحرمين تلك الحالة وقدَّم لها الحل الذي نوجزه فيما يلي، يقول عن الخليفة: «فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفًا ممن ظلمه، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور، وتعطيل الثغور؛ فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم، وذلك أن الإمامة إنما تُعنى لنقيض هذه الحالة، فإذا أفضى الأمر إلى خلاف ما تقتضية الزعامة والإيالة، فيجب استدراكه لا محالة، وترك الناس سدى ملتطمين متقحمين لا جامع لهم على الحق والباطل؛ أجدى عليهم من تقريرهم اتباع مَنْ هو عون الظالمين، وملاذ الغاشمين، وموئل الهاجمين، ومعتصم المارقين الناجمين .. فأقول: إن عسر القبض على يده الممتدة، لاستظهاره

(1) - والحقيقة أن هذه أمور مفترضة افترضها، أهل العلم لبيان جوابها، وإنما هي من حيث الواقع نادرة جدًا، بل تكاد ألا تقع إذا جرت التولية على الوجه الصحيح من تحقيق الشروط في المعين للخلافة، وإنما يكون ذلك ويكثر عندما تجري التولية على وجه غير صحيح، حيث يولى الفساق والمجرمون، كما في عصور المسلمين الحاضرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت