فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 60

1 -أمور يتولاها بمقتضى ولايته وهي داخلة في صلاحياته، فإنه ينفذها ويقوم بها على الوجه الذي يرى أنه يحقق مقاصد الولاية، ولا يجب عليه أن يستشير في ذلك إلا إذا لم يدر وجه الصواب من الأمور المشكلة ولم يترجح له شيء فيها، فأما تسييره لأمور الدولة وإصداره للتعليمات التي تنظِّم ذلك، وعمل اللوائح والنُّظُم التي يضبط بها أمره، واختياره لمعاونيه، وتوليته للولاة على الأقاليم أو غيرها، وتحديد صلاحياتهم ومحاسبتهم وعزلهم إذا اقتضى الأمر، ونحو ذلك من الأمور التي تدخل في صلاحياته، والتي يشار إليها في الفكر السياسي الوضعي بأنها «السلطة التنفيذية» ؛ فإنه يعمل ذلك انطلاقًا من صلاحياته، ولا تجب عليه الاستشارة في ذلك، وإن كنا نقول: الاستشارة في هذه الأمور وما جرى مجراها - إذا لم يترتب عليها تعطيل للأمور - فيها خير كبير، ولن يعدم المستشير أن يستفيد خيرًا إذا أحسن اختيار من يستشيره.

2 -أمور لا يملك التصرف فيها بمقتضى ولايته، فهذه لا يملك أن يمضيها إلا بموافقة أهلها على ذلك، ولذلك أمثلة: ففي غزوة بدر الكبرى لما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم ملاقاة المشركين ـ بعد نجاة قافلة مكة ـ استشار من معه في القتال، فوافقه على ذلك المهاجرون، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكتف بذلك وقال: «أشيروا عليَّ أيها الناس!» ، وهو يريد بذلك الأنصار، وذلك أن البيعة التي أخذها عليهم في مكة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج المدينة، وإنما كانت قاصرة على أن يمنعوه وهو في ديارهم مما يمنعون منه أنفسهم، ولم يُفرض الجهاد في ذلك الوقت فرضًا عامًا، فكان خروج الأنصار إلى القتال في غزوة بدر خارجًا عن حد البيعة، كما لم يكن هناك إلزام من الشرع بذلك؛ لذلك أصرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم على معرفة رأي الأنصار وموافقتهم على ذلك، فقال له سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ لما فطن أن رسول صلى الله عليه وسلم يقصدهم بقوله: «أشيروا عليَّ أيها الناس!» : «لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم! وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم؛ فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت .. » ، إلى أن قال: «والله! لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك» ، فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشَّطه ذلك، ثم قال: «سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» [1] . وفي غزوة حنين، عندما قسم الرسول صلى الله

(1) - الرحيق المختوم، الشيخ صفي الرحمن المباركفوري، (ص 186) . وانظر: السيرة، لابن هشام، 1/ 616.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت