فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 60

عليه وسلم على المسلمين غنائمهم التي أفاءها الله عليهم؛ جاء وفد هوازن مسلمًا تائبًا وسألوه أن يمن عليهم بما غنمه المسلمون منهم من السبايا والأموال، ولما كانت هذه قسمة قد وقعت ووصلت أصحابها بمقتضى القسمة الشرعية، ووضع أصحابها يدهم عليها وصارت ملكًا لهم بذلك؛ لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منهم ما استحقوه بحكم الشرع إلا بموافقتهم؛ لذلك عرض عليهم صلى الله عليه وسلم ذلك وندبهم إليه، وبيَّن لهم أن من طابت نفسه برد ذلك عليهم فليرده، ومن لم تطب نفسه فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يعوِّضه عن ذلك من أول ما يفيء الله على المسلمين، «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء القوم جاؤوا مسلمين، وقد كنت استأنيت سبيهم، وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئًا، فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيلُُ ذلك، ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرد عليهم وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا. فقال الناس: قد طيبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» [1] ، فهنا أيضًا شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الشأن وعمل على رأيهم؛ لأنهم هم أملك بذلك.

ومن زاوية نطاق الشورى أو مجالها: فإنها تنقسم إلى نوعين: مسائل دينية، ومسائل دنيوية، فالمسائل الدينية يُعمل فيها بمقتضى الدليل الشرعي، ولا التفات لمن خالف ذلك من كثرة أو قلة، «وإذا استشارهم؛ فإنْ بيَّن له بعضهم [2] ما يجب اتباعه من كتاب الله أو سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماع المسلمين؛ فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك؛ وإن كان عظيمًا في الدين و الدنيا» [3] . وإن كان عدد المخالفين كبيرًا.

وأما المسائل الدنيوية التابعة للمصالح؛ فإنه يشاور فيها ويكثر من الاستشارة، ويعمل بما يؤديه إليه اجتهاده بعد مشاورة أهل الاختصاص في ذلك.

ومن زاوية تحمُّله مسؤولية قيادة الدولة والواجبات الملقاة على عاتقه: فإن من حقه أن يستشير من يراهم أهلًا لذلك ولا يُفرض عليه أحد، كما أن من حقه أن يأخذ بالرأي الذي يراه محققًا لما

(1) - المرجع السابق، (ص 388) . وانظر: السيرة، لابن هشام، 2/ 490 ـ 491.

(2) - وإن كان فردًا واحدًا.

(3) - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، شيخ الإسلام ابن تيمية، (ص 136) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت