لم يستجب ابن جهور لرسالة ابن زيدون، ولم يعف عنه، ولكن ابن زيدون تمكن عام 433هـ من الفرار من السجن متجهًا إلى إشبيليا، فوجد لدى المعتضد قربًا وحُسنًا. ومن هناك أرسل إلى ولادة قصيدته النونية المشهورة:
أضحى التنائي بديلًا من تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا
ولكن ابن زيدون لم يطق صبرًا في بعاده عن قرطبة، فعاد إليها متخفيًا، وأقام في مدينة الزهراء مستشفعًا بأصدقائه لدى أبي حزم بن جهور ليحظى بعفوه. ولما توفي أبوحزم وتقلد ابنه الوليد زمام الحكم أخذ نجم ابن زيدون يعلو مرة أخرى، وتتفتق شاعريته في المدح. ولكن الوليد جفا ابن زيدون متهمًا إياه بتورطه في الفتنة للاستيلاء على السلطان بقرطبة. وعندما أُرسل ابن زيدون سفيرًا إلى ملقة أقام بها خشية العودة إلى قرطبة. ثم بدأ فترة من التطواف في البلاد والتنقّل بين شرقي الأندلس وغربيها حتى استقر به النوى لدى المعتضد بن عباد بأشبيليا، فطاب له المقام ببلاط ابن عباد حتى سنة 461هـ.
ولكن طيب مقامه في أشبيليا لم ينسه حبه الأول قرطبة. فارتحل إليها مرة أخرى في جو من المؤامرات والدسائس، ثم هاجر عنها ليسلم الروح بأشبيليا بعيدًا عن قرطبة.
وابن زيدون شاعر وناثر وأديب أندلسي عكس صوت قرطبة، وتغنى بحياة الأندلس مصورًا إياها بخيرها وشرها. ومن أجمل شعره قوله في النونية:
بِنْتُم وبِنَّا فما ابتلت جوانحُنا
شوقًا إليكم ولا جفَّت مآقينا
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا
يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغَدَتْ
سُودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا
إذ جانب العيش طلق من تألُّفنا
ومربع اللهو صاف مٍن تصافينا
وقد نالت هذه النونية شهرة واسعة في باب المعارضات الشعرية. انظر: الشعر.
ومن رقيق شكواه واستعطافه قصيدته التي كتبها في السجن وأرسلها إلى صديقه ابن برد:
ماعلى ظنِّي بأس
يجرح الدهرُ ويأسو
ربما أشرف بالمرءِ
على الآمال يأس
ولقد ينجيك إغفال
ويرد يك احتراس