بها، ولا لشعار لا نرفعه، ولا لمنهج نحن نتبرأ منه، ولكن مرحبا وألف مرحب إن عادونا لشيء نفعله أو نعتقده أو نلتزمه ما دام حقا، فنحن لا نطلب رضاهم بما معنا، لكننا نطلب فهمهم لما معنا إرضاء لربنا، وليرضوا بعدها هم أو يغضبوا!
وهذا ما التزم به النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رفض قتل المنافقين قائلا: (لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) فالنبي صلى الله عليه وسلم خاف أن يتناقل الناس عنه شيئا غير الذي فعله، فيُنسب إليه نهج لا ينتهجه، إنهم سيتحدثون أنه (قتل أصحابه) وهو لم يفعل ذلك، بل الحقيقة حينها أنه سيكون قد قتل المنافقين، والمنافقون ليسوا أصحابا له وهو ليس بصاحب لهم ولكنه شيء لن تبلغه عقول العامة فلم يفعله، خاصة وأن عنده فسحة في الشرع ألا يفعل، ولو أن الناس كانوا سيتحدثون أنه (قتل المنافقين) لما خاف النبي صلى الله عليه وسلم من حديثهم إذ أنه خاف من أن يصلهم خلاف الحق لا أن يصلهم الحق.
لا تظن أن التهاون في تنقيح الخطاب يفضي إلى فساد المعاني في عقول السامعين فحسب، بل قد تتشوه المعاني في عقول المتكلمين أنفسهم، فلا غنى عن تنقيح الخطاب والحرص على مراجعة مكوناته خاصة المصطلحات والألفاظ، فلكم وقع الخلاف وشقت الصفوف وانبثقت الفرق بسبب الاستعمال السيئ للألفاظ والتهاون في تحرير المصطلحات، فالأمر ليس متعلقا بمراعاة حال السامعين فقط، بل يجب التأكد من توافق المصطلحات والألفاظ مع الشرع ومقصوده بعيدا حتى عن قضية مراعاة حال السامعين!
4 -المقدمات والنتائج:
إن الفكرة لها معطيات تؤدي إليها، والنتائج لا يوصل إليها إلا بمقدمات، وإن من أفسد ما يفسد أي خطاب هو اختزال المعطيات في ذكر الفكرة النهائية فقط، واختزال المقدمات في نتائجها، فنحاسب الناس أنهم لم يصلوا إلى ما وصلنا إليه من نتائج ناسين أننا أنفسنا لم نصل إلى هذه النتائج إلا بعد مقدمات طويلة سبقتها وتجربة طويلة.
وقد قال الله تعالى: (ولكن كونوا ربانيين)
قال ابن عباس: (كونوا حلماء فقهاء) وقال البخاري: (ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره)
وإن من أجلى صور اختزال المقدمات في النتائج - والمناقض"للربانية"- هو ما يقوم به البعض من اتهام الأشخاص المعظمين عند الناس (كبعض علماء السلطان أو بعض الزعماء التاريخيين) بالعمالة والخيانة دون أن يشرح لهم المقدمات التي تثبت ذلك، إن كثيرا من الأمور التي نتعامل معها على أنها بديهيات هي للأسف غير معروفة عند الشعوب التي جرفت الأنظمة وعيها وغيبت عقولها.