فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 117

قد شرحنا معنى الثورة بقيمها الثلاثة (استهداف التغيير الجذري - العمل من خارج المنظومة - الرسالية) ، والثورة بمعناها المجرد عبارة عن وعاء فارغ يمكن أن يُملأ بالحسن، ويمكن أن يُملأ بالقبيح، فيمكن أن يقوم الناس بثورة لأجل باطل، كما يمكن أن يثوروا لأجل حق، يمكن أن تكون الثورة جهادا ويمكن أن تكون فسادا، يحدد ذلك غاية الثورة وقيمها التي تعليها، شأنها شأن كل كلمة لغوية تحتمل الخير وتحتمل الشر، مثل كلمة (الغزو) هي كلمة لغوية يمكن أن يكون فاعلها مجاهدا ويمكن أن يكون فاعلها مفسدا، فإن الذين (يغزون) لتكون كلمة الله هي العليا يكون (غزوهم) جهادا، وأما الذين (يغزون) ليصدوا عن سبيل الله فإن (غزوهم) كفر وفساد.

وكذلك لفظ (الثورة) كما شرحنا معناه، لو افترضنا أن هناك طليعة ثورية أخذت على عاتقها مهمة التغيير الجذري وعملت من خارج المنظومة وواجهتها مواجهة حقيقية على كل المستويات مصدرة لتحركاتها أهداف رسالة الإسلام المكتملة وقيمه الشاملة التي جاءت بحفظ الدين والنفس والمال والعقل والعرض بأسلوب يعقله الناس ويفهمونه فوصفها الشرعي أنها (جهاد) بداية من نشر الوعي وحتى أكثر لحظات المواجهة التهابا.

والسلوك الذي سلكه المسلمون الأوائل بقيادة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم تجاه منظومة الجاهلية الحاكمة لحياة الناس وتصوراتهم ومعتقداتهم هو بالتوصيف السياسي الحديث: سلوك ثوري بامتياز! وهذا لا يُضاد اسمه الشرعي بأنه (جهاد في سبيل الله) .

أما كون كلمة (الثورة) - اليوم - أصبحت مرتبطة بمعان أخرى لا علاقة لها بأصل الكلمة لا لغويا ولا سياسيا، (كربط الثورة بالسلمية المطلقة واللا عنف، وربطها بضرورة إقصاء الدين، وربطها بالسلوك الديمقراطي) فهذا في رأيي متعمد، والسبب ببساطة هو أن (الثورة) كلمة تحمل دلالات جيدة في أذهان الشعوب، بل حتى في أدبيات الغرب وأحاديثهم هم يعتبرون أن الثورات حق خالص للشعوب ولا يستطيعون ذمها، وقد طفحت الكتب بمدحها، وبالتالي فهم أمام معضلة!! كيف سيذمون إذن من سيثور ضدهم وضد نظامهم العالمي وعملائهم في الداخل، أليست الثورة حق للشعوب كما يقولون!

وبسبب هذه المعضلة أصبحوا يحرفون معنى الكلمة ويغيرون دلالتها لترتبط تدليسا بمعان لا علاقة لها بالكلمة الأصلية بل قد تضادها أصلا، حتى يصبح من يسير في فلكهم هو الثوري، بينما الثوري الحقيقي الذي يواجه مصالحهم يصبح متطرفا إرهابيا مخربا ... الخ!!

ربط الثورة بالاستسلام للقتل ورفع شعارات السلمية المطلقة واللا عنف الدائم وربطها بالديمقراطية هو ربط مضحك لا علاقة له بالواقع ولا بالتاريخ ولا بتعريف الثورة أصلا، فالثورة بالأساس كلمة منذ ولادتها ارتبطت ارتباطا وثيقا بحروب العصابات أو بالعنف الجماهيري، وهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت