ولما كان الوصول للجماهير من أهم قيم الثورة بدأت الأنظمة في اتباع استراتيجية ثابتة تجاه المطالبين بالتغيير، وهي استراتيجية (التشويه) ، التشويه الإعلامي هو وسيلة النظام الأولى لإسقاط الثوار أفرادا وكيانات ولذلك يكاد يكون نهجا ثابتا ومتبعا عند كل الأنظمة، ولكن التشويه سهل مواجهته بالوصول للناس والتعامل معهم على الأرض وكسر كل صور العزلة عنهم، وإذا كان هذا واضحا في العزلة المادية فإنه يجب أن يُعلم أن العزلة الشعورية والوجدانية أخطر، وقد حاولت حصر ما يعزل الثوار عن الشعب وجدانيا فوجدت الآتي:
1 -عزلة بسب الخطاب:
سيأتي الحديث لاحقا عن الخطاب وكيف يجب أن يكون، ولكن ما أود التنبيه عليه هنا هو أن الخطاب السيئ وغير الاحترافي هو أحد أكبر الأسباب في إسقاط أي كيان جماهيريا، والثورة لا تكون ثورة بغير خطاب محترف ذكي، بل إن الثوار الذين يهدفون إلى التغيير الحقيقي يجب أن يظلوا منشغلين بتطوير خطابهم وتحسينه للوصول به لأفضل صورة شعبية ممكنة تصل إلى الشعب باختلاف شرائحه وطبقاته.
2 -عزلة بسبب اختلاف الاهتمامات:
أعني باختلاف الاهتمامات هو أن يظهر الثوار في واد والناس والشعب في واد آخر، ويحدث هذا إما بسبب عدم اهتمام الثوار فعلا بما يشغل الناس، أو بسبب عدم القدرة على صياغة الفكرة الثورية بأسلوب يمس اهتمامات الناس ومعاشهم وحياتهم، وهذا الاختلاف في الاهتمامات أثره خطير جدا على الفكرة الثورية، فهو يظهر المتكلم وكأنه يعيش في قرية منعزلة عن الناس وأنه لا يبحث ولا يهتم إلا بشيء يخصه ويتعلق به مما يفقد الشعب التعلق بالفكرة الثورية والشعور بالانتماء لها وهو ما يسهل على الأنظمة محاصرتها والقضاء على أصحابها بعد ذلك.
ولذلك يجب ألا تتحول قضايا المعركة الرئيسية وعناصر المنهج إلى كلمات مستهلكة جامدة لا تمس حياة الناس ومستجدات أوضاعهم، بل يجب أن يستمر الإبداع في ربط قضايا الثورة بقضايا الناس المستجدة، يجب ألا ينفصل الثائرون عن واقع الناس وعن اهتماماتهم وحوائجهم.
والإسلام جاء بصلاح الدين والدنيا، والذي يتصور تعارض هدف إقامة الدين مع هدف إصلاح أوضاع الناس المعيشية فإنه لم يفهم طبيعة الإسلام، بل هذا جزء من ذاك في الحقيقة، والله تعالى رغب الناس في الدين فقال: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) . كما أن تحريك الناس لأجل قضاياهم وحقوقهم هو شيء مشروع، وهي نية سليمة إن احتسبوا فيها الأجر عند الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم:- (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد)