فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 117

(النظام يقتل .. النظام يعتقل .. النظام يقمع .. النظام لا يحترم أصوات الشعب) هكذا تتنوع اتهامات المعارضة في بلادنا للنظام، لا شك أن سلوك النظام من قتل واعتقال وقمع وغيره كفيل بفضحه أمام الشعب، إلا أن الحقيقة المرة أثبتت أن تغيير الوجوه لا يكفي لتغيير هذا السلوك، كما أن النظام أعمق بكثير من حصره في هذه الظواهر السلوكية، إن النظام بأشخاصه ومؤسساته وسياساته ودستوره وقوانينه وممارساته إنما هو نتاج منظومة قيم ثابتة تقوم عليها الدولة values system، هذه المنظومة القيمية لأنظمة بلادنا هي صنيعة عقود من التجريف والاحتلال والتبعية، ونقصد بمنظومة القيم تلك الثوابت السياسية العامة والتي لا يمكن تغييرها بتغيير الوجوه فقط ولن تتغير حتى بتغيير الدستور، كما رأينا بعد""الثورات""الأخيرة، والنظام العالمي يحرص على بقاء هذه المنظومة القيمية في بلادنا كما هي، لأن في بقائها بقاء مصالحه، ولذلك لا يأتي رئيس إلا بعد أن يتعهد بحمايتها والإبقاء عليها، وقد أطلقنا عليها اسم منظومة (الهيمنة) .

إن القيم السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية التي تقوم عليها بلادنا اليوم إنما هي صنيعة الخارج، والمؤسسات العسكرية الموجودة الآن في كل بلد من بلادنا إنما دورها الرئيسي بوضوح تام هو حماية تلك المنظومة القيمية بقوة السلاح والإبقاء عليها بلا تغيير، هذه المنظومة القيمية يأخذ بعضها شكل الاتفاقيات وبعضها يكون فقط بتهديد السلاح العالمي، وكثير منها يجود بها رجال النظام بأنفسهم حفظا لمصالحهم الذاتية وكراسيهم.

إن كل نظام من أنظمة بلادنا قد تم تشكيل منظومته القيمية بصورة مستقلة، فالنظام في تونس تم تشكيل قيمه بصورة تختلف عن النظام السعودي، وكذلك للنظام المصري منظومة قيم أخرى، هذا بالرغم من وجود ثوابت مشتركة بين جميع هذه الأنظمة وضعها الاحتلال الحديث (النظام العالمي)

الأنظمة في دول الخليج مثلا لكونها المصدر الأول للنفط في العالم كان يجب أن تتسع منظومتها القيمية لوجود قواعد أمريكية ضخمة على أراضيها ووجود علاقات استراتيجية عميقة جدا معها، ومصر لكونها أخطر الدول العربية على إسرائيل كان يجب أن تتسع منظومة قيمها لما يحفظ أمن إسرائيل لعقود ويفصل مصر تماما عن معاداتها والصراع معها، وتم هذا عبر اتفاقية كامب ديفيد، هذه الاتفاقية التي عبثت بمنظومة القيم المصرية بالفعل حتى أنتجت نظاما سياسيا عبارة عن مسخ حقيقي فاقد الإرادة والعزة والهوية، لا يستطيع أن يجعل أمنه القومي ومصلحة شعبه أولوية ولا يتمكن من بسط سيادته على كامل أراضيه، إننا لو أردنا أن نسمي النظام المصري اسما يعبر عنه حق التعبير فليس هناك أصح من تسميته (نظام كامب ديفيد) ، ولذلك كلما تبدلت الوجوه السياسية الحاكمة لمصر يتجدد التأكيد على احترام مصر لمعاهداتها وعلى رأسها كامب ديفيد، أي التأكيد على أن النظام بمنظومته القيمية كما هو ولن يتغير فاطمئنوا يا غرب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت