اتفاقية كامب ديفيد - والتي مازال يُخفى معظم بنودها - لا تعني عدم الحرب مع إسرائيل كما يظن الكثير بل هي اتفاقية رسمت أجزاء كثيرة من شكل النظام وسياساته الخارجية والعسكرية حتى قال بعض الخبراء أن الدستور المصري سيظل حبرا على ورق لأن الدستور الحقيقي الذي يحكم مصر هو كامب ديفيد!
جاءت كامب ديفيد لتكون حلقة في سلسلة طويلة من تغيير القيم السياسية للنظام الحاكم في مصر، فتغيير القيم السياسية في مصر قديم الحملة الفرنسية ثم ما كان من الاحتلال الإنجليزي وهكذا حتى وصلنا لما نحن عليه اليوم.
إن الاحتلال القديم لم يخرج من بلادنا إلا بعد أن عبث بالقيم المجتمعية والسياسية وأعاد تشكيلها بالصورة التي تخدم مصالحه، و بعد إعادة تشكيل منظومة القيم في بلادنا لم يعد لديه الحاجة في البقاء العسكري المكلف إلا عند الضرورة، فكل ما ستفرزه هذه القيم من دساتير وقوانين ولوائح ومؤسسات وشخصيات على رأس النظام سيكون متوافقا مع أهداف الخارج حتى ولو أظهروا غير ذلك، فقد وضع المحتل القضبان التي سيسير عليها القطار مهما اختلف السائقون، وقد زاد الطين بلة مجيء الاحتلال الحديث (النظام العالمي الجديد) حيث زادت التبعية وصارت بلداننا تحت احتلال جديد فريد من نوعه يحكمها الخارج عبر المندوبين الداخليين، لنرى اليوم أنظمة مشوهة على رأسها أشباه رجال يتحكمون في مصائر شعوب بما يحقق مصالح الدول الكبرى!
وبذلك تعرف أن النظام ليس هو منصب الرئيس، إن الرئاسة ربما هي الحلقة الأضعف في النظام، النظام بالأساس هو منظومة قيم كاملة تحميها السلطة الثابتة في البلاد، هذه القيم هي ما ينتج عنها كل ما تراه على الأرض، وأحيانا قد يضحى النظام برأسه احتواء لغضب الجماهير حتى لا يصل الغضب إلى منظومة القيم، وهذا عين ما فعله المجلس العسكري في مصر عندما ضحى بمبارك.
ومنظومة القيم لا تتغير في بلد ما مرة واحدة، بل القيم السياسية يتم تغييرها عبر سنين بعدما يتم تغييب المجتمع وتشويه القيم بداخله هو نفسه، فالقيم السياسية كثيرا ما تتغير بالتوازي مع تغيير القيم المجتمعية، ففي مصر مثلا: قيمة مثل (سيادة الشرع) هي قيمة تم تشويهها في قلوب الناس قبل أن يقوم النظام المصري في عهد عبد الناصر بإلغاء المحاكم الشرعية، فإلغاء المحاكم الشرعية هو سلوك نبع عن تغيير القيم عبر سنين طويلة قضاها الناس تحت الاحتلال الفرنسي والإنجليزي تم التلاعب فيها بالمحاكم والقضاء إلى أن وصل الناس إلى تقبل فكرة وجود المحاكم المختلطة التي أسسها الاحتلال، ثم قلّص الاحتلال اختصاصات المحاكم الشرعية وحصرها في الأحوال الشخصية، فالاحتلال هو الذي وضع البذرة للمحاكم اليوم وهو الذي شوه قيمة التحاكم للشرع في قلوب الناس، بينما الذي أقدم على"سلوك"إلغاء المحاكم الشرعية تماما كان عبد الناصر، وهكذا كل سلوكيات الأنظمة في بلادنا إنما هي نتاج القيم التي زرعها الاحتلال حتى ولو ادعت هذه الأنظمة أنها مناهضة للاحتلال!
وقِس على ذلك كل القيم التي تقوم عليها الأنظمة اليوم مثل: صنمية الدولة والعلمانية السياسية والرأسمالية والتبعية للخارج وتقديس الحدود التي رسمها الاحتلال، وبالتالي فالتغيير الحقيقي الذي