الحمد لله الذي أحاطنا برحمته، وأنعم علينا بفضله ومنته، والصلاة والسلام على من أمرنا الله باتباع منهاجه وسنته، وعلى آله وأزواجه وذريته، ورضي الله عن جميع صحابته؛
(إننا اليوم نخوض معركة كبيرة باختيارنا، نفتح فيها أبوابا مغلقة، ولا ينبغي أبدا أن تتردد في خوضها معنا، ليس ضروريا لكي تخوضها أن تعرفنا ونعرفك، ولكن من الضروري أن تكون حرا من داخلك، وإن كتابتي لهذا الكتاب وقراءتك له ليست إلا خطوة في طريق هذه المعركة) قد تكون هذه الجملة - حتى الآن - غامضة بالنسبة إليك أيها القارئ الكريم، فأنت ما زلت لم تعرف (ما هي هذه المعركة التي أحدثك عنها وعن ضرورة خوضها؟!) ، وفي الحقيقة هذا ما كتبت الكتاب من أجله، ولكن دعني أقدّم لمن خاض المعركة بالفعل مقدمةً مهمة لا غنى عنها، ستحتاج إلى الرجوع لها مرة أخرى بعدما تنتهي من قراءة الكتاب لآخره إن شاء الله، فأقول:
لا شك أن التحرك في معارك التغيير كي يكون فعّالا يحتاج إلى: (منهج) راسخ و (نظرية) واضحة وإقدامٍ على خوض (التجربة) .
وأعني بالمنهج هنا: القيم والثوابت الكلية العليا التي يتحدد بها سلوكنا داخل المعركة، فلا نقول قولا أو نفعل فعلا لا يتوافق معها، هذه القيم هي محل المفاصلة والجانب المصان من تحركنا، لا نعرضها في سوق المساومات ولا نقبل التصالح على شيء يناقضها، بل غاية سعينا كله هو تحقيقها وإقامتها ورؤيتها واقعا نعيشه ونحياه، وهذا الكتاب المختصر يطرح بين سطوره عناصر رئيسية من تلك القيم المصانة، مع طرحه لتصور مبسط جدا - لا يسع أحدا جهله - حول واقع معركة اليوم وحقيقتها ومكان تلك الثوابت فيها.
وأعني بالنظرية امتلاك رؤية مستقيمة حول آلية إنزال هذا المنهج على واقع المعركة، حتى لا يصبح المنهج مجرد كلمات وشعارات لا حقيقة لها في الواقع، فالنظرية هنا أشبه بتصورعام لخطة تغييرعملية وواقعية تنبثق من المنهج وتحقق غاياته، فهي تربط بين قيم المنهج وبين حقائق الواقع بمشروع عملي.
وأعني بخوض التجربة أن يتم البدء في تنفيذ هذه النظرية على الأرض، وإن التجربة التي تكون نتاج منهج صحيح ونظرية متأنية محكمة تم إدراك الواقع فيها بعمق لن تكون إلا تجربة منتصرة، سواء وصل أصحابها للتمكين أم لم يصلوا، فأقل أحوال تلك التجربة أنها ستكون نبراسا منيرا لمن يأتي بعدنا، وتهيئة للأرض من تحت أقدامهم، وترسخيا لقيم تستحق البذل والتضحية، فهي دماء وأعمار تصحح الخطوات في الطريق، وترسم إرشادات وعلامات لمن يسعى إلى الحق، فالفشل فيها نجاح، والموت في سبيلها نصر، وهل خبرات الشعوب والأمم إلا قطرات من دماء نزل بعضها فوق بعض، وهل التجربة الناجحة إلا ثمرة تجارب فاشلة سبقتها!