إن الأمم الماجدة هي التي يبني فيها كل جيل على تجربة من قبله، فما نحن إلا ثمرة تجارب من سبقونا في معركة التغيير، إن الخدعة النفسية التي تُشعر كل شخص أنه مركز الكون وحوله يدور كل شيء تصيب الكيانات كما تصيب الأشخاص، ولذلك لا تستفيد هذه الكيانات مِن تجارب مَن سبقوها، ولا تفكر في إفادة من يأتي بعدها، وبهذا تتكرر الأخطاء، حتى أصبح كل كيان يعتقد أن تمام النصر يكون بانتصاره هو فقط، والحقيقة أنه قد يموت من هو سبب في النصر قبل أن يراه، والتاريخ يشهد على ذلك، وقد يعمل عامل للنصر ليجني الثمرة عامل آخر، وإن الله حقا قد وعد من ينصره بالنصر ولكن هذا لا يعني أنه يجب أن يرى النصر بعينيه، فقد يكون انتصاره بانتصار من يأتي بعده بانيا على سعيه.
كما أن السعي والمحاولة هو الضمانة الأولى للهداية فقد قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) فجعل الجهاد سببا للهداية، فإذا كان هناك مساحة للثبات لا تنازل عنها وهي المساحة التي تمس (المنهج والاعتقاد) ، فكذلك يجب أن تظل (النظرية والتجربة) مساحة تطوير وتصحيح وهذا لا يمكن حدوثه بدون خوضٍ للمعركة.
وإذا حضر هذا المعنى في ذهنك فمن المحال أن تخشى من الفشل، فبدون تجارب فاشلة لا يتحقق النجاح، وفي الحقيقة الفشل ليس في أن تحاول فلا تصل، الفشل في أن تترك العمل في واقع يحتاج إلى جهد كل واحد؛ فانطلق للمجد لا تخش لومة لائم، ولا تخش من تربص عدو أو حسود أو شامت، والأجر عند الله، ففي كل الأحوال سيكون لك أثر في الخير إذا أخلصت نيتك وتحريت الحق.
ولأجل ذلك كانت كتابتي لهذا الكتاب المختصر حول معركة التغيير، حاولت أن أضع فيه بسلاسةٍ عناصر هامة من منهجنا، وأردت بكتابته أن يصبح لدى كل متحرك في المعركة اليوم الحد الأدنى من إدراكها ومعرفة حقائقها، وألمحت إلى شيء بسيط من نظرية التغيير كما أراها، يصاحب كتابتي لهذه الكلمات تجربة ترسمها الآن دماء تُسفك وأعمار تُقضى خلف جدران المعتقلات والسجون، نسأل الله أن يرحم الشهداء فيها وأن يفك أسر المأسورين.
وفي الحقيقة كنت أود أن يكون الكتاب أكثر تفصيلا من ذلك إلا أننا اليوم نسابق الزمن ما استطعنا، ففي كل يوم يمر تقترب منا فواجئ الأيام وتحيط بنا فواجع الأقدار، فهذا ما يسّره الله وتحملته الظروف القاسية وقد كنت أتمنى ألا أخرج شيئا مكتوبا كهذا إلا كما أريد من التفصيل والتعمق والصورة التي أتصورها مكتملة شكلا ومضمونا ومراجعة، غير أنني خشيت أن يكون في التأخر شيء من الهوى والتجمل الباطل خاصة وأنا أرى أن ما في هذا الكتاب لا يسع أحدًا في معركة التغيير اليوم عدم الاطلاع عليه موافقا أو مخالفا، ولعل في ذلك اعتذارًا مني عما قد تراه من تقصير أو نسيان، والكمال لله وحده، وعلى كل حال فإنني أحسب - إن شاء الله - أن هذا المختصر كافٍ لمن أراد أن يفهم حقيقة المعركة، ويضع يده على أطرافها ومجمل المنهج الصحيح فيها، واللهَ أسأل أن يتقبله بقبوله سبحانه وأن يعظم أثره في خلقه وأن يغفر لي فيه زلتي وخطئي.
على الله توكلنا وبه استعنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.