فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 117

بالرجوع إلى الفصل السابق وحديثنا عن قيمة الديمقراطية ثم بالحديث في هذا الفصل عن واقع النظام وقيمه تدرك أن تحركنا بالإسلام لا يعني إلا استهداف منظومة القيم التي يحميها النظام اليوم وإحلال منظومة قيم الإسلام محلها، فإقامة منهاج الإسلام لا تعني أسلمة واقع فاسد الأصل ببضعة شعارات وأحكام، ولكن تعني استهداف هذا الأصل الفاسد من جذوره وتغييره، وقد بينا كيف أن الإسلام دين كامل شامل له طرحه المستقل، وكيف أن نظامه السياسي له فلسفته الخاصة، كل ذلك يوضح مقدرته على بناء واقع جديد نابع من قيمه، هذا الاكتمال التشريعي وتلك القدرة على بناء حضارة جديدة مستقلة تجعل الإسلام - كما بينا - مستهدفا من أعدائنا، إلا أن ما يزيد من استهدافه ليس قدرته على البناء فقط، وإنما قدرته على الهدم أيضا، وهو ما عبرنا عنه في الفصل الماضي بهذه العبارة المختصرة (إنهم يعلمون أنه أقوى محرك فكري وعقدي لمقاومة هيمنتهم وهدمهم أطماعهم) ، حيث أن هناك بُعدا مهما يربط الإسلام ربطا وثيقا بالثورة على هذه المنظومة، وهو أن الإسلام بالفعل في معركته للتغيير مع الجاهلية اعتمد وسيلة التغيير الثورية بالمعنى الذي شرحناه ولم ينتهج النهج الترقيعي، لقد كان ثورة شاملة على واقع فاسد.

فالإسلام منذ كان في مكة كان مفاصلا لكل صورة الجاهلية مباينا لها ومواجها لباطلها مستهدفا لأعمق قيمها، ورغم كونه حينها في مرحلة الدعوة وبرغم استضعاف المسلمين إلا أن الإسلام لم يأذن للمسلمين بالدخول في منظومة الجاهلية قولا ولا فعلا، بل حذر الله نبيه وصحابته من مجرد المداهنة والركون فكيف بالدخول! قال تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسّكُمْ النَّار وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) وقال: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) وقال: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) .

لقد كان الإسلام واضح المفاصلة والمباينة للجاهلية اعتقادا وقولا وعملا، واستمر هذا هو نهج الإسلام في مراحل الدين كلها ابتداء من الدعوة ثم الهجرة مرورا بالجهاد وانتهاء بالفتح.

فأما اعتقادا: فقد أمر الله تعالى بالكفر بالطاغوت (أي: هدم منظومة قيمه في القلب) قبل الإيمان بالله فقال: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا)

وأما قولا: فلا أجمع من سورة كافرون والتي لم تجعل لذي حجة حجة في مفاصلة الجاهلية وإعلان العداء لها، إعلان فيه تكرار وتأكيد، قال تعالى:

(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ. ولا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)

وأما عملا: فإنه لما اشتد الأذى على المسلمين وأحكمت الجاهلية إغلاق كل منفذ للدعوة حتى صار العمل داخل مكة من خارج منظومة الجاهلية أشبه بالمحال بل أصبح يهدد بالقضاء التام على الطليعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت