فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 117

ومادمنا قد تكلمنا عن العلمانية وأشرنا إلى الأنظمة السياسية الحالية فيحسن بنا أن نتحدث عن النظام الديمقراطي باعتباره النظام السياسي المعتمَد حاليا حتى ولو بالاسم والشعارات فقط، ثم نتحدث عن النظام السياسي في الإسلام ليظهر الفارق جليا، فهذه القضية هي جزء لا يتجزأ من المعركة، وهنا سنحاول أن نتكلم كلاما مبسطا واقعيا بعيدا أيضا عن التعريفات الأكاديمية الجامدة ولكنه يحتاج منك إلى تركيز وتأمل في القراءة لتصل إليك الفكرة كاملة.

وقبل الحديث عن النظامين فيجب أن تعلم أن لكل نظام من النُظُم السياسية: (قيمة عليا) أو (هدفا أسمى) تكون هذه القيمة هي محل اعتباره الأول والأخير، مثل قيمة (سيادة الشعب أو حكم الشعب لنفسه) في النظام الديمقراطي.

يدعي كل نظام سياسي أن (قيمته العليا) التي أنشئ كي يحققها هي القيمة المثالية على الإطلاق، والتي إن تحققت بالفعل فقد تحقق أفضل نظام حكم يمكن أن يعيش فيه البشر!

ولكي يخرج النظام من حيز التنظير إلى حيز الواقع فعليه أن يضع لنا (معيارا) ملموسا على أرض الواقع حتى نتمكن من خلاله أن نعرف هل نحن نحقق هذه القيمة المثالية أم لم نحققها، فالمعيار بالنسبة للقيمة (كالثرموميتر) بالنسبة للحرارة، يعني في النظام الديمقراطي كيف نعرف أن سيادة الشعب قد تحققت على أرض الواقع؟ الإجابة: عندما يتم تنفيذ (إرادة الأغلبية) ، وبالتالي يصبح (نفاذ إرادة الأغلبية) هو المعيار والمقياس الملموس الذي يدل على (سيادة الشعب)

فإذا تم تحديد (القيمة العليا) وتم وضع (معيار) ملموس لها فقد أصبحنا أمام نظام سياسي له فلسفته الخاصة، ويمكن بعدها أن يحدث خلاف في النظريات والآليات والتطبيقات العملية رغم اتفاق الجميع على فلسفة النظام، ففلسفة النظام هي: (القيمة العليا + المعيار) ، أما النظريات العملية فهي آخر ما يتم طرحه في النظم السياسية بعدما يتم الاتفاق أولا على فلسفة النظام، ففي (الديمقراطية) مثلا يوجد أكثر من نظرية لكيفية إدارة الدولة، هل بالطريقة الرئاسية، أم بالطريقة البرلمانية، لكن مهما اختلفت النظريات فلا خلاف على القيمة العليا والمعيار.

هذا الكلام يبين لك خطأ من يظن أن النظام السياسي هو عبارة عن مجرد (آلية) لاختيار الحاكم للسلطة، وبهذا الظن يعتقدون أن (آلية) تولي السلطة وتداولها هي فقط ما يفرق بين نظام سياسي وآخر، بينما في الحقيقة يمكن داخل النظام الواحد أن تجد نظريات مختلفة لا حصر لها حول آلية مجيء الحاكم، فليست هذه هي النقطة الفاصلة بين الأنظمة، النقطة الفاصلة التي تفرق بين نظام وآخر هي (فلسفة) هذا النظام، فتلك هي عقيدته وقيمته التي يرعاها ويصونها ويقدسها، ومنها تنبثق آلياته على أرض الواقع، وإذا لم تكن تعرف فلسفة النظام فأنت إذن لا تعرفه!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت