نعني بالحزبية: تحزب مجموعة من الأفراد وتعصبهم لكيانهم ومجموعتهم التي ينتمون إليها على حساب الحق، إن الحق يجب أن يبقى هو المركز الذي يدور حوله كل شيء، فهو المنهج والمنهج هو، وبه تحدد المصالح والمفاسد، فمصلحته فوق كل مصلحة، والمفسدة التي يمكن أن تصيبه هي أَولى المفاسد بالتجنب قبل أي مفسدة أخرى، بل إن الله شرع للمؤمنين أن يخوضوا غمار الموت وأن تراق دماؤهم حفظا لهذا الحق وإعلاء له وصونا لبيضته، رغم أن مفسدة أن يُقتل المؤمنون وأن تُراق دماؤهم عظيمة إلا أنها أمام مفسدة ضياع الحق واستباحته تصبح هينة، بل إن حكمة الله اقتضت أن الحق لا يعلو ولا يبقى إلا بتضحيات أصحابه له، وإن الانحراف عن جعل الحق هو المركز يفضي إلى مفاسد منهجية رهيبة، والمُشاهد في الواقع أن كل"مجموعة"ادعت نصرة الحق وانحرفت عنه كان بسبب أنها نقلت مركزيتها من الحق إلى مركزية أخرى، والمركزيات المنحرفة هي باختصار:
1 -مركزية الكيانات:
هي تلك المركزية التي تجعل مصلحة الكيان مركزا يدور الجميع حوله، فيصبح بقاء الكيان في ذاته يعني بقاء الحق، وضياعه ضياعا لهم، حتى تؤدي هذه المركزية مع مرور الوقت إلى هدم الحق نفسه وتضييعه في سبيل مصلحة الكيان، فالحق عند أصحاب هذه المركزية صار يدور مع الكيان لا أن الكيان هو الذي يجب أن يدور مع الحق، وتظل المصلحة المعتبرة عند هؤلاء هي مصلحة الكيان، والمفسدة التي يجب تجنبها هي المفسدة التي يمكن أن تصيب الكيان، وتحت قاعدة (المصالح والمفاسد) تلك يضيع الحق ويُمحى!
بينما الصحيح أن تظل الكيانات عند أصحابها مجرد وسيلة مرحلية لنصرة الحق فكرا وقولا وعملا، ولا ينبغي أبدا أن يصبح أي كيان عند أفراده هو عين المنهج والفكرة، ولا أن بقاءه يعني بقاء الحق، فالحق موجود من قبل كيانهم وسيظل موجودا بعده، ويجب ألا تكون الأفضلية والتقييم بالانتماء للكيان، بل هي بالقرب من الحق وبقدر نصرة المنهج وإعلاء القيم ولو من خارج الكيان الذي تنتمي إليه، فالموالاة والمعاداة يجب أن تكون بحسب ما تم تأسيس الكيان له وليس للكيان نفسه، هذا إذا كان الكيان قد أسس لنصرة الحق.
تنتشر مركزية الكيانات في"الجماعات الإسلامية"وعلى رأس ذلك: جماعة الإخوان، وكذلك في الأحزاب السياسية عامة، بدرجات مختلفة.
2 -مركزية الأشخاص:
هي أن يتم تحويل بعض الشخصيات أو الرموز إلى مركز للأفراد، فهم يدافعون عن الأشخاص كأنهم هم المنهج، ويعتبرون أن الانتقاص منهم يعني انتقاص المنهج، متغافلين أنه لا ضمانة لأي شخص من الانحراف بالفعل، فالفكرة أبقى من الأشخاص، ونقاء المنهج أولى من تبرئة الأشخاص