فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 117

أخيرا: هل نحن مخيرون في خوض المعركة؟

إنها ليست معركة سياسية تخص السياسيين وحدهم، وليست حربا على السلطة بين طلاب الدنيا لتعلن اعتزالك لها، وليست فتنة اختلط فيها الحق بالباطل كما يزعم الزاعمون، إنها معركة فاصلة واضحة، بين الحق والباطل، وبين الحرية والعبودية، وبين الإسلام والجاهلية، معركة الأحرار التي لا يسع أحدا أن يتخاذل عنها، وأن يدير وجهه لغيرها، إنها معركة يدفعك إليها دينك قبل كل شيء، معركة سيسألك الله عما قدمته فيها، وعما بذلته في أحداثها، فلا تتأخر عنها، فإنما ذلت هذه الأمة عندما تخاذل أفرادها عما أوجبه الله عليهم، وعلى رأس ذلك الجهاد، والجهاد كلمة أشمل من مجرد القتال، فهي تشمل القتال وتشمل دفع العدو في كل الساحات التي هجم علينا فيها ومنها بلا شك ساحة الفكر والوعي، وبصورة أوسع تشمل حتى مجاهدتك لنفسك، فإننا بحاجة إلى إصلاح قلوبنا ونفوسنا، كما أننا بحاجة إلى مخاطبة الشعوب بما يعقلون ويفهمون ودعوتهم إلى الحق الكامل ودفع الشبهات والزيف الذي يُلقى إليهم، كل هذا مع حاجتنا لمواجهة العدو على الأرض بكل ما نملك، فالمعركة تشمل كل ذلك وكل جوانبها مرتبطة ببعضها.

ولأننا نعلم أننا في عبادة نرجو منها رضا الله فلا ينبغي أن نتعلق كثيرا بالنتائج وأن نحمل همها، فالله قد تكفل بها، ولن يسألنا الله إلا عن أفعالنا، فالتمكين هو وعد الله لمن اتبع رضاه، وقد نرى النصر بأعيننا وقد لا نراه، فما يهمنا هو ألا نلقى الله مستسلمين خاضعين لأعدائنا، مقصرين في حق المعركة، خاذلين لديننا الذي أمرنا بالجهاد، ولأمتنا المستضعفة التي تحتاج إلى من ينقذها.

ولذلك من أكثر الكلمات التي لا أرى استعمالها موفقا كلمة (السعي للتمكين) ، فالصحيح هو أننا نسعى لإقامة الدين وتنفيذ أمر الله لنا، فليس التمكين شيئا يُسعى له ولا واجبا ستُسأل عن تحقيقه يوم القيامة، وإنما هو وعد الله لمن آمن وأصلح واتبع منهاجه، قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها) أنت تعلم أن القيامة قد قامت وأنه في كل الأحوال لا يوجد من سيستفيد من زرع هذه الفسيلة فلماذا تغرسها؟، تغرسها لأنك ستحاسب يوم القيامة عن أفعالك نفسها وليس على النتائج، ومادمت قد فعلت ما أمرك الله به فقد نجوت والنتائج لله.

وحتى لو لم يكن الله قد وعدنا بالنصر والتمكين لما جاز لنا أن نترك المعركة، لأننا خضناها طاعة لله وتنفيذا للواجب الذي أوجبه علينا، وقد نقلنا الكلمة الموفقة الحاسمة لابن تيمية رحمه الله: (العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه) فأنت بخوضك للمعركة تنجو بدينك قبل دنياك، فكيف وقد وعدك الله بالنصر إن نصرته، وتكفل سبحانه بألا يضيع سعيك هباء في الدنيا ولا في الآخرة، أيمكن بعد كل هذا أن تتكاسل عن المعركة وأن تصرف وجهك عنها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت