فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 117

ألا فلينطلق كل حر على بركة الله، فإن المعركة محسومة لأهل الحق ولا محالة، وإن من سنن الله عز وجل أن كل ما يبذله أصحاب الدعوات والأفكار من مال أو وقت أو حياة ينتقل إلى كفة أفكارهم ودعواتهم مباشرة، فالدعوات تعيش بأرواح من ماتوا في سبيلها، وتغتني بما أنفقوه من أموالهم، وتتحرر بأوقات سجنهم، هذا غير أجرهم في الآخرة، فأبشر بكل ما تبذله فإن له أثرا في الدنيا قبل الآخرة حتى وإن لم تشهد أنت هذا الأثر في حياتك، فارفع راية الحق واستقم على المنهاج ولا تنظر لفارق القوة بينك وبين عدوك ولا تهتم كيف سيأتي النصر أو كيف سيكون أثر عملك، فالأمر كله بيد الله تعالى، وإن في قصة أصحاب الأخدود لعبرة كبيرة، حيث اختار الغلام أن يضحي بروحه في سبيل الله فكان أثر عمله في الدنيا أن آمن الناس جميعا بعد موته، ثم اختار الناس من بعد الغلام أن يضحوا كذلك بأرواحهم وآثروا نار الأخدود على الكفر بالله، فأين أثرهم في الدنيا وهم آخر من آمن حينها؟ .. إن الله قد أبى إلا أن يجعل لهم أثرا في الدنيا فأنزل سورة البروج تخليدا لأثرهم وليكونوا نبراسا لكل مؤمن إلى يوم القيامة.

وإذا كنا غير مخيرين في خوض المعركة فنحن كذلك غير مخيرين في الطريقة التي سنخوض بها المعركة، فنحن في عبادة، والعبادة تكون بالصورة التي حددها الله، وإن الله قد بين لنا الوسائل التي يجب أن نسلكها في مثل هذا الواقع، هذه الوسائل هي جزء مما نعنيه بكلمة المنهج، وهو ما فصلنا الحديث عنه في هذا الفصل.

إننا يجب ألا ننظر أبدا إلى تكلفة المنهج الثوري ولا إلى صعوبة طريقه، إنه يكفينا أننا نتبع المنهج السليم وأننا نسلك الوسائل الصحيحة، وهذا نراه في حد ذاته انتصارا، فالهزيمة عندنا هي أن نحيد عن الحق وأن نتجرد من منهجنا، ولا نرى أي قيمة لانتصار الأشخاص والكيانات إذا كانوا قد فرطوا في منهجهم وداسوا على مبادئهم؟ فهذا لا يُسمى انتصارا ولا تمكينا بل هو مجد شخصي يحققونه لذواتهم على حساب الحق، فالانتصار يعني انتصار الحق حتى ولو كان ثمن ذلك هو موتنا وفناء كياناتنا، والحق لا ينتصر بالباطل!

إننا نؤمن أن الوسائل والغايات وجهان لعملة واحدة، ولا يجوز التفريط في الوسائل بحجة حسن الغايات، فالغاية لا تبرر الوسيلة، و الغايات ليست مطلوبة منا ولم يكلفنا الله بها إنما هي النتيجة الطبيعية لاتباع الوسائل الصحيحة قال تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم) فإن تنصروا الله بالوسائل ينصركم بالنتائج، فالنصر الأول هو تكليف الله لنا، والنصر الثاني هو ما تكفل الله به، فاهتم بتصحيح وتنقية ما كلفك الله به، ودع ما تكفل هو به.

وبذلك تفهم أن الثورة بهذا المعنى الذي شرحناه ليست مجرد وسيلة للتغيير من ضمن وسائل أخرى، بل هي منهج التغيير الذي لا نحيد عنه، ولا نستبدله بمنهج آخر، فالواقع فاسد الأصل، باطل من جذوره، وأي تحرك سياسي ترقيعي مع هذا الواقع يعني أنك قد تصالحت مع أصله الفاسد وجذوره الباطلة حتى ولو استطعت تغيير بعض الفروع والسلوكيات.

والثورة بالمعنى الذي شرحناه هي عملية طويلة الأمد مستمرة متنوعة المسارت وليست مجرد حدث انفجاري يحدث في يوم وينتهي، والمعركة ليست سلطوية فقط تنتهي بالحصول على الزعامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت