هل تأملت في هذا الواقع من قبل؟ هل سألت نفسك بوضوح ما الذي يحدث في هذا العالم ومن الذي وضع قواعد اللعبة فيه وعلى أي أساس وضعها؟ هل راودك شك ولو لمرة واحدة في أننا نعيش في أكذوبة كبرى وأن هناك من يريد لنا أن نصدقها؟ هل تمنيت في يوم أن يتغير هذا العالم لعالمٍ آخر يستحق أن نعيش فيه؟ إذا كنت ممن يشعرون بأن هناك شيئا ليس صحيحا في هذا الواقع الذي نعيشه فإن هذا الفصل سيضع لك نقاطا كثيرة على الحروف، أما إذا كنت لا تشعر بهذا الخلل الموجود في واقعنا المنحط فبإمكانك أن تعطي لنفسك الفرصة لإعادة التفكير بقراءتك - أيضا - لهذا الفصل! ودعني أحكي لك القصة من بدايتها:
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة في غضون عام 1945 بدأت الدول المنتصرة في الحرب وعلى رأسها أمريكا في تقسيم تَرِكة العالم الجديد فيما بينها، وبدؤوا في رسم خريطة مختلفة لنظام عالمي يحقق أطماعهم في السيطرة والتوسع، ويلبي رغباتهم التي ولدتها نشوة الانتصار الثمين في تلك الحرب العالمية المدمرة، وبالفعل وضعت هذه الدول نظاما عالميا متوازن القوّة تقريبا بين شرقه (المتمثل في الاتحاد السوفييتي والصين) ، وغربه (المتمثل بالأساس في أمريكا وفرنسا وبريطانيا) ، إلا أن صراع المصالح بين القطبين لم يتوقف داخل هذا النظام العالمي، وبلغ التنافس الأمريكي السوفيتي مراحله القصوى حتى انتهى بسقوط سور برلين عام 1989 والذي أعقبه انهيار الاتحاد السوفيتي.
وهنا بدأ العالم حقبة مختلفة وأصبح عندنا نظام عالمي جديد، حيث انفردت أمريكا بقيادة العالم انفرادا شبه كامل ليكون أول رد فعل لها هو أن ترسي قواعدها العسكرية العملاقة في قلب منطقتنا في أحداث ما يُعرف بـ"حرب الخليج الثانية"مستغلة اجتياح العراق للكويت عام 1990، في رسالة إلى العالم كله أنه من اليوم قد صارت منطقة ما يسمى"الشرق الأوسط"بثرواتها وخيراتها تحت الطوع الكامل للسيد الأمريكي، إنها علامة كبرى على سيطرته العالمية، فهي منطقة محورية وكنز استراتيجي منقطع النظير، منطقة ظلت تثير لعاب الجميع منذ زمن بعيد، إلا أن الأمريكان لم يجدوا الفرصة السانحة للانقضاض العسكري عليها إلا بعدما سقط عدوهم الأكبر في النظام العالمي السابق (الاتحاد السوفيتي) ثم هيؤوا لأنفسهم ذريعة يتدخلون بها باتفاق مع الحكام العملاء وبدون أي رد فعل مؤثّر من الشعوب النائمة!!
وهكذا أصبح النظام العالمي الجديد بقيادة أمريكا لا ينظر إلى بلادنا إلا باعتبارها منهبا للثروات وسوقا لتصريف المنتجات وأداة من أدوات سيطرته على العالم، وأصبح يحارب ويمنع كل ما يمكن أن يساعد في تحرير إرادة الشعوب في المنطقة، فلا اكتفاء ذاتي من القمح في بلادنا، ولا تصنيع حقيقي للدواء والسلاح، ولا امتلاك لترسانة ردع كالسلاح النووي، كل ذلك أنت ممنوع منه تحت ذرائع مختلفة، وما ذاك إلا لتظل أسيرا لمنظومتهم الفاسدة، وتابعا مطيعا لسياساتهم وتوجهاتهم