وإنني وإن كنت أكتب اليوم من مصر إلا أنني أتوجه بحديثي لشعوب أوطاننا المسلمة كلها، فهي معركة واحدة في الحقيقة، وإن وصول الأوضاع في بلادنا لهذا الحال المزري مر عبر عدة مراحل من ضمنها تقسيم أمتنا المسلمة وعلى رأس ذلك المنطقة العربية؛ فالذي يظن أنه بإمكانه تغيير أي وضع في الأمة متجاهلا هذا التقسيم والأثر الاستعماري الذي وقع فهو واهم، فإن التقسيم قد تم على أسسٍ كفيلة بألا تقوم لأي دولة قائمة حقيقية حتى تقوم وتتكامل معها الدول الأخرى، ومنطقة"الشرق الأوسط"تظهر قوتها الدولية الفريدة عندما تجتمع مميزات كل أجزائها معًا، ولذلك لما أرادت أمريكا أن تعزز من سيطرتها الدولية لم تكتفِ بالسيطرة على بلد أو بلدين في هذه المنطقة وإنما وضعت يدها - تدريجيا - على المنطقة كلها، فأمريكا تتجاهل الحدود بين بلداننا وتتعامل معنا كمنطقة واحدة تسميها منطقة"الشرق الأوسط"، فهذه الحدود إنما وُضعت فقط لتفريق الشعوب وتبديد قوتهم وتسهيل نهبهم!
إننا نعتقد بوضوح أن لنا وطنا كبيرا قسمه المستعمر باتفاقيات استعمارية غاشمة لا نعترف بها، ونعتقد أن الحدود التي رسمها المستعمر بيننا وبين إخواننا في باقي أجزاء الوطن المسلم الأكبر ستظل ترابا أمام قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) .
وإنه لا يوجد مسلم صحيح الإيمان لا يعتصر قلبه حرقة على ضياع الأقصى وتسلط أذل الخلق عليه وعلى أهله، لا يوجد مسلم لم يهتز لما ارتُكب ويُرتكَب في حق المسلمين المستضعفين في كل مكان، إن مجرد سوء أحوال الأمة كفيل بتحريكنا - في مصر مثلا - لتغيير الأوضاع كلها، فكيف وحالنا - في مصر - جزء من هذا الحال السيئ؟! وقِس على ذلك كل البلدان المسلمة!
وإنه يكفي أن تتعرف على اتفاقية مثل سايكس بيكو لتتصور بصورة أعم كيف وصلت البلاد المسلمة لشكلها الحالي؛ سايكس بيكو واحدة من أشهر الاتفاقيات التي أدت لتقسيم الأمة، إنها اتفاقية سرية وقعت بين فرنسا وبريطانيا عام 1916، تنص الاتفاقية على تقسيم بعض المنطقة العربية بين فرنسا وبريطانيا في مشهد أشبه بتقطيع (الكعكة) كان من آثار هذه الاتفاقية فقط تقسيم الشام إلى أربع دول: سوريا والأردن ولبنان وفلسطين، هذه الاتفاقية وأشباهها تجعلنا أمام حقيقة تاريخية وهي: أن الاحتلال هو الراسم الأول للشكل الحالي لبلادنا!
إن اتفاقية (سايكس بيكو) ليست مجرد اتفاقية"استعمارية"أدت لتقسيم بعض أجزاء المنطقة بل هي مثال صارخ على كيفية تلاعب الاحتلال بمصائر الشعوب وقيمها وحضارتها، والأخطر أنها تحولت من اتفاقية استعمارية إلى حالة ثقافية عامة، فصرنا نجد الشعوب تتبادل الشتائم والكراهية، ويفخر سكان كل بلد على البلدان الأخرى، علما بأن بعض شعوب هذه البلدان كانوا شعبا واحدا منذ 100 سنة فقط!