فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 117

بعد الحرب العالمية الثانية اتجهت الدول المنتصرة في هذا الحرب إلى البدء في تقسيم التَرٍكة العالمية ورسم صورة جديدة للعالم في ظل اختلاف موازين القوى كما شرحنا، ولا شك أن أمريكا عقب الحرب العالمية الثانية كانت الأقوى عسكريا واقتصاديا؛ مما مكنها من وضع كثير من تفاصيل هذه الصورة الجديدة للعالم، ومن هنا كانت اتفاقية بريتون وودز (Bretton Woods) عام 1944، تلك الاتفاقية التي جعلت الدولار هو المعيار النقدي الدولي لكل عملات العالم بعد أن كان الذهب هو الغطاء النقدي لكل هذه العملات، حيث تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الاتفاقية أمام دول العالم بأنها ستمتلك غطاء من الذهب يوازي ما تطبعه من دولارات، وكانت الاتفاقية تنص على تثبيت قيمة الدولار أمام الذهب بما يعادل (35 دولار للأوقية) ، أي أن من يسلم أمريكا (من الدول لا الأفراد) خمسة وثلاثين دولارا تسلمه أمريكا تغطية الدولار من الذهب (أوقية) ، بينما باقي العملات يتم تقييمها بالدولار وليس بالذهب مباشرة، وصار يسمى الدولار بعد ذلك عملة صعبة فهو العملة الوحيدة التي يمكن استبدالها بالذهب، واكتسب ثقة دولية لاطمئنان الدول لوجود تغطيته من الذهب في أمريكا، صاحبة أكبر رصيد من الذهب حينها، وجمعت الدول في خزائنها أكبر قدر من الدولارات على أمل تحويله لقيمته من الذهب في أي وقت أرادوا، واستمر الوضع على هذا حتى خرج الرئيس نيكسون في السبيعينات على العالم فجأة في مشهد لا يُتصور حتى في أفلام الخيال العلمي ليصدم كل سكان الكرة الأرضية جميعا بأن الولايات المتحدة لن تسلم حاملي الدولار ما يقابله من ذهب! ليكتشف العالم أن الولايات المتحدة كانت تطبع الدولارات بلا حساب، وأن ما طبعته كان أكثر بكثير من الذهب الذي تملكه، وأنها اشترت خيرات الشعوب وامتلكت ثروات العالم بحفنة من أوراق خضراء تافهة لا غطاء ذهبي لها!

أي أن الدولارات ببساطة هي عبارة عن أوراق تطبعها الماكينات الأمريكية، ثم تحدد أمريكا قيمة الورقة بالرقم الذي ستكتبه عليها! فهي 10 أو 100 أو 500 دولار بحسب ما تريد، بينما الحقيقة هي أن الثلاث ورقات بنفس القيمة ونفس الخامة ونفس الوهم فقط اختلف الرقم المطبوع!

كانت حجة نيكسون أن الدولار قوي بسمعة أمريكا وقوة اقتصادها! وكأن هذه القوة الاقتصادية ليست قوة مستمدة من تلك الخدعة الكبرى التي استغفل بها العالم، لم تتمكن أي دولة من الاعتراض وإعلان رفض هذا النظام النقدي الجديد لأن هذا كان معناه حينها أن كل ما خزنته هذه الدول من مليارات دولارات في بنوكها سيصبح ورقا بلا قيمة وهي نتيجة أكثر كارثية مما أعلنه نيكسون!

أعلن نيكسون كذلك حينها أن الدولار سيُعوَّمُ أي سينزل في السوق تحت المضاربة؛ وسعر صرفه يحدده العرض والطلب ولن يكون له قيمة ثابتة كما كان سابقا، خلافا لما تم الاتفاق عليه مسبقا في اتفاقية (بريتون وودز) حيث كان للدولار وفقا للاتفاقية قيمة ثابتة تُحدد بالذهب، بينما بعد قرار نيكسون بتعويم الدولار أصبحت أمريكا قادرة على التلاعب بقيمة الدولار ومن ثم التلاعب بقيمة العملات الأخرى المرتبطة به؛ وذلك ببساطة عن طريق تحكمها في كمية الدولارات التي تطبعها وتطرحها في السوق النقدي!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت