فالأنظمة في بلادنا ما هي إلا كلاب حراسة لتلك القيم الفاسدة التي تحفظ مصالح الغرب ومصالحهم الذاتية وقد فصّلنا الشرح في أبعاد المعركة دوليا في الفصل الأول، فهي معركة شرسة بلا شك ولا سبيل لنا إلا خوضها.
ثانيا: العمل من خارج المنظومة:
القيمة الثانية للثورة هي العمل من خارج المنظومة، إن العمل من داخل المنظومة يعني القبول بقيمها والالتزام بقواعد لعبتها، فهو فعل من يريد أن يُحسِّن أوضاع العبودية لا من يريد أن يهدمها بالكامل، إن مصلحة تحسين بعض ظروف العبودية لا يوازي أبدا مفسدة الاعتراف بأصل العبودية وإضفاء الشرعية عليها ولو للحظة.
إن عدم الاعتراف بقيم الباطل قولا وعملا هو أحد عناصر المنهج السليم، وسلامة المنهج لا يعدلها شيء من المكاسب المزعومة على الأرض.
وإذا شبهنا النظام بالدوائر المتداخلة، كل دائرة داخلها دائرة أصغر وهكذا فإنه قد ثبت بالعقل والاستقراء والعلم استحالة إسقاط المنظومات أو الدوائر الكبيرة إذا تم الدخول في المنظومات أو الدوائر الأصغر، بل إذا سقطت الدائرة الكبيرة سقطت بعدها كل الدوائر الأصغر، فلا يمكن إسقاط النظام العالمي بالدخول في النظام الداخلي، والنظام الداخلي كذلك لن يسقط بالدخول في مؤسسة من مؤسسات شرعيته كمجلس الشعب، فمن دخل مجلس الشعب صار ملتزما باللوائح الداخلية فيه، هذه اللوائح منبثقة من القانون، والقانون منبثق من الدستور، والدستور والالتزام به هو الدلالة الأولى على الاعتراف ب"شرعية"النظام فكيف لمن هذا حاله أن يدعي أنه يحمل مشروع تحررٍ من الهيمنة الخارجية أو الداخلية حتى؟!
أي اختلال في هتين القيميتين (التغيير الجذري والعمل من خارج المنظومة) ينقل السلوك مهما كان شكله ودرجة سخونته من صفته الثورية إلى صفة"الإصلاحية"، و"الإصلاحية"ليست بالمعنى الدارج،"الإصلاحية"وصف سياسي على تلك التحركات السياسية التي تعمل من داخل المنظومة ولا تصطدم بأصلها وجذورها فهي تسعى سياسيا للترقيع لا للتغيير الجذري.
إن"الإصلاحية"تكون مقبولة إذا كنا نعالج واقعا صحيح الأصل لكن وقع الفساد في بعض فروعه فقط، أما في واقع على النحو الذي شرحناه من البطلان وفساد الأصل ومناقضة الدين والدنيا فلا حَل إلا بمفاصلته ومباينته ثم العمل على تغييره من جذوره.
ويمكن تشبيه الأمر بالثوب السليم، والثوب الشفاف البالي الفاسد الذي لا يستر عورة ولا يغطي جسدا، فالثوب إذا كان سليما في أصله وإنما حدث فيه قطع طارئ في أي جزء من أجزائه فإنه من المقبول أن يتم إصلاح القطع أو ترقيعه، لأنه ثوب في أصله سليم وإنما جاء الفساد عَرَضا على بعض أجزائه دون أن يؤثر على الثوب كله، وأما الثوب البالي الفاسد من الأصل الذي أصبح شفّافا لا يستر عورة ولا يغطي جسدا هل يصلح معه الترقيع؟ وما قيمة الترقيع لبعض أجزائه إذا كان الثوب كله يكشف الجسد ويظهر العورات؟ أليس الأولى من بَذل الوقت والجهد والمال في ترقيع ثوب فاسد