المجمع السكنى العربى يقع أمام ترعة ضيقة تصبح مصرية الطابع إذا زارتها المياة أحيانا.
وهى مناسبة تنتظرها عدة أوزات لا أدرى كيف يصلهن الخبر فيجئن بسرعة لتقمن مهرجانا خاصا. ولو أن هذا المنظر قد وقع أمامى منذ عقود قليلة فقط لكنت أحد مكوناته الجمالية التى تزعج باقى الكائنات داخل وخارج البحيرة.
سرنى أن بعض أطفال المنطقة يمارسون في الترعة نفس الدور الذى أتمناه وأحلم به. وأعاد لى طفولتى منظر الطين الذى يكسو جلودهم البرنزية السمراء. رداء ناعم وحنون سرعان ما ينقشع بالمياة العكرة الجارية في الترعة. ضحكت وأردت أن أصيح فيهم: واصلوا أيها الشجعان .. سنوات قليلة فقط وستصبحون مطلوبين
دوليا بتهمة الإرهاب. وجدت أن ذلك المرح لا يليق الآن بسنى، كما أن حاجز اللغة ألجمنى.
"قرية عرب خيل"لها سور طينى ضخم. وعليه تستند بإرهاق منازل صغيرة كالحة يلف كل منها سور نحيف مرتفع يحيطها من ثلاث جهات، وله باب أمامى من الخشب الخفيف يطل على الساحة الترابية الواسعة للقرية الذى يمارس فيها الأطفال ماهو متاح من شيئ يشبه اللعب، مع العبث بسيارات"بيك أب"قليلة تقف هنا وهناك لبعض الوقت.
قابلنى الحراس الشباب كأننى رائد فضاء عاد من رحلة على سطح القمر فتجمع حوله سكان الأرض يباركون له عودته ويسألونه عن الأخبار"هناك". كانوا جميعا على علم بالمهمة التى ذهبت لأجلها، وكانوا في إنتظارى"لسماع الأخبار". ركض نحوى عدد من الشباب مسرعين يتساءلون بلهفة وتجمعوا حولى مستفسرين. فلما أخبرتهم أننى قد"بايعت أمير المؤمنين"كبر بعضهم وضحك الجميع بفرح حقيقى وعانقونى بحرارة وكأننى قد نفذت عملية إنتحارية ناجحة .. ثم رجعت منها سالما!!.
فى غرفة الضيافة في المجع السكنى، وبعد قليل من الإنتظار، تجمع حولى كبار القوم، أبو عبدالله وأبوحفص والدكتور عبد المعز"أيمن الظواهرى"يرافقه واحد من كبار مساعديه، وكان تنظيم الجهاد مازال مستقلا عن القاعدة، كما حضرة آخرون من كبار تنظيم القاعدة.
الدهشة كانت عارمه لما حدث. وبعد وقت قليل شعرت أن النظرة لى هنا قد تغيرت نسبيا، وأن"قيمتى الأدبية"قد تراجعت إلى الخلف قليلا. فالشعور هنا مخالف للشعور في ساحة المجمع عند الشباب الصغار. هنا كانت النظرة لى كأنى مخلوق آخر قادم من المريخ، مدهش لكنه غامض ومخيف أيضا.
ظننت أننى قد أزحت أهم الحجج التى تمنع"أبو عبد الله"تحديدا من أن يبايع أميرالمؤمنين. وكنت قد ذكرت لهم مرارا أن بيعته للملا عمر هى الأهم لأن نظرة الأفغان إليه على أنه أمير كل العرب. لذا فإن لبيعته قيمة كبيرة جدا بعكس بيعة أى شخص آخر، بما فيهم شخصى المتواضع. لأن تأثير"بن لادن"أكبر وله قيمة أعظم عند العرب والأفغان معا خاصة وأنه يعتبر حاليا أهم رجل في العالم. بعد حوار معاد ومكرر وصلنا إلى نقطة الصفر مرة أخرى.
أبو عبد الله وجميع الحاضرين يرون أن"التريث هو الأولى"وأن"المشورة مازالت مستمرة"و"علماء باكستان قادمون". إلى آخر تلك الحجج التى كنت أفندها وأهاجمها وأبدى دهشتى منها. لكنهم ظلوا صامدين باسمين فتوقفت عن الهجوم. ثم أخذت من أبوعبدالله موعدا جديدا تكون فيه المشاورات قد إنتهت.