لو أراد المسافر دخول مصره أو مصرًا آخر ينوي فيه الإقامة يكره له أن يفطر في ذلك اليوم, وإن كان مسافرًا في أوله؛ لأنه اجتمع المحرم للفطر، وهو الإقامة، والمرخص والمبيح وهو السفر في يوم واحد، فكان الترجيح للمحرم احتياطًا، فإن كان أكبر رأيه أن لا يتفق دخوله المصر حتى تغيب الشمس فلا بأس بالفطر فيه (1) .
ثالثًا: الإكراه:
مرخص: وهو الإكراه على إفطار صوم شهر رمضان بالقتل في حق الصحيح المقيم, والصوم أفضل حتى لو امتنع من الإفطار حتى قتل يثاب عليه؛ لأن الوجوب ثابت حالة الإكراه, وأثر الرخصة في الإكراه في سقوط المأثم بالترك لا في سقوط الوجوب، بل بقي الوجوب ثابتًا, والترك حرامًا، وإذا كان الصوم واجبًا حالة الإكراه, والإفطار حرامًا كان حق الله تعالى قائمًا, فهو بالامتناع بذل نفسه لإقامة حق الله تعالى طلبًا لمرضاته فكان مجاهدًا في دينه فيثاب عليه.
مبيح مطلق بل واجب: وهو ما كان في حق المريض والمسافر, والأفضل هو الإفطار، بل يجب عليه ذلك، ولا يسعه أن لا يفطر حتى لو امتنع من ذلك، فقتل يأثم.
والفرق بينهما: أن في الصحيح المقيم الوجوب كان ثابتًا قبل الإكراه من غير رخصة الترك أصلًا، فإذا جاء بالإكراه وأنه من أسباب الرخصة، فكان أثره في إثبات رخصة الترك لا في إسقاط الوجوب، فكان الوجوب قائمًا، فكان حق الله تعالى قائمًا، فكان بالامتناع باذلًا نفسه لإقامة حق الله تعالى فكان أفضل، كما في الإكراه على إجراء كلمة الكفر , والإكراه على إتلاف مال الغير، فأما في المريض والمسافر فالوجوب مع رخصة الترك كان ثابتًا قبل الإكراه فلا بد وأن يكون للإكراه أثر آخر لم يكن ثابتًا قبله, وليس ذلك إلا إسقاط الوجوب رأسًا وإثبات الإباحة المطلقة، فنزل منزلة الإكراه على أكل الميتة وهناك يباح له الأكل، بل يجب عليه كذا هنا (2) .
(1) ينظر: البدائع 2: 108، والهدية العلائية ص175، وغيرهما.
(2) ينظر: بدائع الصنائع 2: 97، وغيره.