وعليه يقال: لا شك أن قتل الكافرين لأطفال المسلمين ونسائهم انتهاك لأعظم الحرمات، فلو لم يجز قصد الكافرين وقتل أطفالهم ونسائهم مماثلةً ما كانت الحرمات قصاصًا، إذ حرمة أطفالنا ونسائنا لا يماثلها إلا حرمة أطفالهم ونسائهم، وليست دماء الرجال المحاربين بحُرمة حتى يكون في هدرها قِصاصٌ لمهدور حرماتنا!! بل مُقاصة الحُرمة انتهاك الحُرمة.
وفي هذا التقرير جِماع الرد على من زعم أن قتل نساء وأطفال المشركين مماثلةً ظلمٌ وجور، بحجة أنهم لم يقاتلوا، فلا يعاقبوا بغير ما اكتسبوا، {ولا تزر وازرة وزر أخرى} !!
وما كان الجور والظلم في غير قوله هذا، وحاشا دين الله وشريعته من كلل أذهان المنهزمين، وعطب أفكارهم!!
فإن تعامل المسلمين مع الكافرين أهلِ الحربِ في باب المعاقبة إنما يكون باعتبار جُملي، وتعامل أُمَّةٍ مع أُمَّة، لا بالنظر إلى كل فرد فرد، وأحكام الطوائف ليست كأحكام الأفراد، وحال الممتنع ليس كحال المقدور عليه، ولا أوفى من قول الله جل في علاه {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} .
قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله:
(قد تكون المماثلة في الغرض والصورة وهي المماثلة التامة، وتلك حقيقة المماثلة، مثل القصاص من القاتل ظلمًا بمثل ما قتل به، ومن المعتدي بجراح عمد، وقد تتعذر المماثلة التامة فيصار إلى المشابهة في الغرض، أي مقدار الضر، وتلك هي المقاربة، مثل تعذر المشابهة التامة في جزاء الحروب مع عدو الدين، إذ قد يلحق الضر بأشخاص لم يصيبوا أحدًا بضر ويسلم أشخاص أصابوا الناس بضر، فالمماثلة في الحرب هي انتقام جماعة من جماعة بمقدار ما يشفي نفوس الغالبين حسبما اصطلح عليه الناس [1] .
الوجه الثالث:
(1) التحرير والتنوير (25/ 115) .