(لا نزاع بين الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة أنه حجة، ومن نقل عن أحد منهم أنه لا يحتج بالعام المخصوص فهو غلط أقبح غلط وأفحشه، وإذا لم يحتج بالعام المخصوص ذهبت أكثر الشريعة وبطلت أعظم أصول الفقه [1] .
ثم يقال له:
ها هو الشارع قد أباح دماء النساء والذرية في البيات، لأن كبس العدو في البيات مظنة لتعجيل الظفر به، مع أن الظفر عليه بغيره ممكن.
فأي الحالتين بربك أولى بإباحة إهدار الدم: إهداره لمجرد تعجيل الظفر مع إمكانه بغيره؟! أم إهداره لشفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظها ودرك الثأر؟!
والبيات الذي سُئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان في جهاد الطلب! والمعاقبة بالمثل من جنس جهاد الدفع!!
فكيف إذا انضاف إلى ذلك كما هو في زماننا ما في إهدار دمائهم معاقبة بالمثل من كف عادية الكافرين، وردعهم عن انتهاك حرمات المسلمين؟!!
فلعلك بعد هذا أن تقول: فإنما أهدرت دماء النسوة والذرية في البيات بطريق التبع لا الاستقلال، ويجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، وفي مسألة المعاقبة بالمثل تجيزون إهدارها بطريق الاستقلال والقصد، فلا يستقيم لكم الاستدلال؟
فالجواب: أنه قد قام في مسألتنا في مقابلة حرمة القصد ما يهدر اعتبارها، لأن تطلب المماثلة وتوقي الزيادة والحيف يستلزم إباحة القصد، إذ تحريمه سد لبابها، بينما لم يقم في حالة البيات مقابلٌ يهدر تلك الحرمة، فليست الحالتان بمستويتين في سبب الإباحة حتى يستويان في شرطها، فالتماثل في شرط الإباحة فرع التماثل في السبب المبيح، فأما مع اختلافه فلا.
(1) مختصر الصواعق المرسلة (ص 318) .